جيوب المغاربة تحت الضغط… والأسواق خارج المراقبة

في الأسواق المغربية، لم تعد الخضر والفواكه مجرد مواد غذائية أساسية، بل تحولت في نظر كثير من المواطنين إلى سلع تقترب من “الترف” والكماليات، أما لهيب اللحوم الحمراء والبيضاء والسمك، فتلك حكاية أخرى سنتطرق إليها بشكل مفصل في مقالاتنا المقبلة.

فبين ليلة وضحاها، تقفز الأسعار بشكل يثير الدهشة والغضب، بينما يردد الباعة الجمل الشهيرة ذاتها: “كلشي تزاد” و“الشناقة للي زادو”. عبارات بسيطة، لكنها تخفي وراءها واقعا معقدا، يدفع ثمنه المستهلك وحده.

المواطن الذي كان يملأ قفته بأبسط الخضر، أصبح اليوم مضطرا إلى تقليص مشترياته أو الاستغناء عن بعضها. الطماطم، البطاطس، والبصل—مكونات أساسية في المطبخ المغربي—أصبحت تخضع لمنطق السوق المتقلب، لا لمنطق الحاجة اليومية. وبينما ترتفع الأسعار، تغيب الإجابات المقنعة، ويزداد الشعور بأن هناك خللا عميقا في منظومة توزيع وتسعير المواد الغذائية.

صحيح أن تبعات سبع سنوات من الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج عوامل لا يمكن تجاهلها، فرغم الغيث الذي استبشرت به بلادنا هذا الموسم، تبقى الأسعار ملتهبة في الأسواق المغربية. لكن هل يعقل أن يتحمل المستهلك وحده كل هذه الأعباء؟ وكيف نفسر الفارق الكبير بين الثمن الذي يبيع به الفلاح منتوجه، والثمن الذي يصل به إلى يد المواطن؟ هنا يبرز الوجه الخفي للسوق: الوسطاء أو “الشناقة”، الذين يمر عبرهم المنتوج قبل أن يصل إلى الأسواق، فيتضاعف سعره دون رقابة حقيقية.

الأخطر من ذلك أن ما يسمى بحرية الأسعار لا يجد له أثرا حقيقيا على أرض الواقع، إذ يلاحظ في كثير من الأسواق اتفاق غير معلن بين عدد من الباعة على اعتماد نفس الأثمنة، في غياب أي منافسة حقيقية تخفف العبء عن المستهلك، وهو ما يطرح تساؤلات جدية: عن أي منافسة نتحدث؟ وأين هي آليات المراقبة التي من شأنها ضبط التوازن داخل الأسواق، وحماية جيوب المواطنين من جشع المضاربين وبعض الباعة؟

إن تحرير الأسعار، الذي كان يفترض أن يخلق منافسة عادلة، تحول في بعض الأحيان إلى باب مفتوح للفوضى. فعندما ترفع الحكومة يدها عن الأسعار دون توفير آليات صارمة للمراقبة، يصبح السوق ساحة مفتوحة لكل من يريد تحديد السعر حسب هواه. وفي ظل هذا الواقع، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين هي الجهات المسؤولة عن حماية المستهلك؟

المشكلة اليوم ليست فقط في غلاء الأسعار، بل في فقدان الثقة. فحين يشعر المواطن أن السوق خارج السيطرة، وأن لا أحد يحاسِب، يتحول الغضب إلى إحباط، والإحباط إلى شعور بالظلم. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

إن إعادة التوازن إلى السوق لم بعد خيارا، بل ضرورة ملحة، يبدأ بتقليص عدد الوسطاء، وفرض الشفافية، وتشديد المراقبة، ودعم الفلاح—كلها خطوات أساسية لإيقاف هذا النزيف. فالمواطن المغربي لا يطلب المستحيل، بل فقط حقه في أسعار عادلة… وسوق لا تحكمه الفوضى.

  • Related Posts

    ولنا رأي: من ثماني ساعات إلى ثماني صور حين صار فاتح ماي عرض أزياء اجتماعي

    بقلم: الدكتور إبراهيم عروش كان فاتح ماي، يا سادة، يوما ترفع فيه القبعات للعرق، لا للنظارات الشمسية، يوم كان العامل فيه يطالب بثماني ساعات عمل، فإذا بنا اليوم نطالب بثماني…

    بين سرير مفقود وحياة معلقة صرخة الإنعاش في إقليم يضيق بأهله

    ليست كل الصرخات تُسمع… لكن صرخة مريضٍ يُحمل على عجل، بين الحياة والموت، وهو يبحث عن سرير إنعاش فلا يجده، هي صرخة لا يجوز أن تمرّ عابرة. في إقليمٍ يفترض…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    رياضة

    الرباط على موعد مع نخبة ألعاب القوى العالمية في محطة العصبة الماسية

    الرباط على موعد مع نخبة ألعاب القوى العالمية في محطة العصبة الماسية

    عقوبات الكلاسيكو بين الرجاء والجيش تمنع جماهير الدفاع الجديدي من التنقل

    عقوبات الكلاسيكو بين الرجاء والجيش تمنع جماهير الدفاع الجديدي من التنقل

    كيف يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي؟

    كيف يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي؟

    الحسيمة.. فتيات دار الفتاة بتارجيست يبلغن نصف نهائي البطولة الوطنية

    الحسيمة.. فتيات دار الفتاة بتارجيست يبلغن نصف نهائي البطولة الوطنية

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الثاني)

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الثاني)

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الأول)

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الأول)
    error: Content is protected !!