شهادة الفقيه سيدي حميدة القادري البودشيشي، بما تحمله من امتداد زمني وتجربة طويلة داخل البيت البودشيشي، لا يمكن قراءتها خارج سياقها الطبيعي، فالرجل الذي عاصر أربعة من شيوخ الطريقة، وامتد حضوره عبر عقود من الإمامة والخطابة والتكوين، لا يتحدث من موقع المتفرج، بل من موقع الشاهد الذي راكم ذاكرة داخلية يصعب اختزالها في لحظة أو موقف.
هذه الشهادة، حين توضع في سياقها الزمني، تأتي في مرحلة دقيقة من تاريخ الزاوية، مرحلة أعقبت وفاة الشيخ سيدي جمال الدين القادري بودشيش، وفتحت سؤال الانتقال وإعادة ترتيب الشرعية داخل المؤسسة، وهي مرحلة بطبيعتها حساسة، لأنها لا تتعلق فقط بتدبير إداري أو رمزي، بل بإعادة تعريف مركز الثقل داخل بنية روحية تشكلت عبر عقود من التراكم والتجربة.
وفي هذا السياق، برزت تباينات ارتبطت باسمي سيدي معاذ وسيدي منير، بما حملته من اختلاف في الرؤية حول مسألة الاستمرارية والقيادة، غير أن الأهم في هذه المرحلة ليس مجرد وجود اختلاف، بل الطريقة التي يتم بها التعامل مع الشهادات الداخلية التي تحاول إعادة ربط اللحظة الراهنة بسياقها التاريخي الطويل، وهنا تحديدا تبرز شهادة سيدي حميدة القادري كعنصر استحضار للذاكرة أكثر من كونها عنصر حسم في الصراع.
ذلك أن طبيعة الشهادة، مهما كان وزن صاحبها، لا تنتج حسما نهائيا في صراعات من هذا النوع، بل تساهم في إعادة تشكيل زاوية النظر إليها. فهي لا تشتغل بمنطق الإقصاء أو الانتصار، بقدر ما تشتغل بمنطق التذكير بالامتداد، وبأن الشرعية داخل مثل هذه البنى لا تفهم فقط من لحظة الحاضر، بل من سلسلة طويلة من الصحبة والمعايشة والتراكم.
غير أن ما يثير الانتباه في مثل هذه السياقات هو سرعة تحويل الشهادات إلى أدوات تأييد أو اعتراض، بدل النظر إليها كجزء من ذاكرة مؤسسة، فبدل أن تقرأ بوصفها امتدادا لتجربة طويلة، تختزل أحيانا في كونها موقفا في لحظة خلاف، وهنا يبدأ الانزياح من التاريخ إلى التوظيف، ومن الشهادة إلى الاصطفاف.
إن القول بأن هذه الشهادة تنهي الصراع أو تحسمه هو تبسيط لا يعكس تعقيد الواقع، فالصراعات داخل المؤسسات الروحية لا تغلق عادة بشهادة فرد، مهما كان مقامه، بل تتدرج نحو التهدئة عبر الزمن، وتراكم التوافقات، وإعادة بناء الثقة داخل الجسم الداخلي للمريدين. ما يمكن أن تفعله الشهادة، في أفضل حالاتها، هو إعادة تذكير الأطراف بأن هناك ذاكرة مشتركة أكبر من لحظة الاختلاف.
من هنا، يمكن فهم شهادة الفقيه سيدي حميدة بوصفها محاولة لإعادة إدخال الزمن الطويل في قلب النقاش، في مواجهة منطق اللحظة الذي قد يختزل التاريخ في موقف. فهي لا تلغي الخلاف، لكنها تضعه داخل إطاره الأوسع، حيث تصبح التجربة الممتدة أكثر حضورا من ردود الفعل الآنية.
وفي المقابل، فإن اللافت في هذا السياق هو الطريقة التي استقبل بها جزء من الفضاء الرقمي هذه الشهادة، حيث تحولت سريعا إلى مادة جدل حاد، رافقها في بعض الحالات خطاب انتقادي تجاوز حدود النقاش الموضوعي إلى التبخيس أو التشكيك، وهو ما يكشف مجددا كيف يمكن أن تنتقل القضايا من مستوى الفكرة إلى مستوى الشخص، ومن منطق القراءة إلى منطق الاصطفاف.
غير أن هذه الردود، مهما كانت حدتها، لا تغير من طبيعة الإشكال الأساسي، بقدر ما تعيد تأكيده، فحين تقرأ الشهادات بمنطق الانحياز المسبق، يصبح من الطبيعي أن تواجه بردود فعل عاطفية أكثر منها تحليلية، في حين أن جوهر النقاش يظل مرتبطا بسؤال أعمق حول موقع الذاكرة داخل لحظة التحول.
في النهاية، لا يبدو أن مثل هذه الشهادات قادرة على إعلان نهاية الصراع بقدر ما تكشف عن طبيعته العميقة، فهي تشير إلى أن ما يجري ليس مجرد خلاف، بل إعادة تفاوض هادئة على معنى الاستمرارية داخل مؤسسة روحية لها ذاكرتها وثقلها وتاريخها، وبين الذاكرة واللحظة، يبقى الحكم النهائي دائما بيد الزمن، لا بيد ردود الفعل الآنية.
