الإعلام الرياضي المحلي وبناء الوعي الرياضي
ولعل أول ما يفيدنا في هذا الباب هو ما قرره “مارشال ماكلوهان”،منظّر الإعلام الكندي الشهير وأحد أبرز دارسي أثر الوسائط في تشكيل الوعي المعاصر، من أن “الوسيط هو الرسالة” ذلك أن ماكلوهان ينبهنا إلى أن أثر الإعلام لا يتحدد بالمضمون وحده، بل يتحدد أيضًا،بطبيعة الوسيط، وبطريقة العرض، وبإيقاع التلقي. إذا نزلنا بهذا المعنى إلى الإعلام الرياضي المحلي،أمكن القول إن الخبر الرياضي لا يصل إلى الجمهور في صورة محايدة؛ بل يمر عبر عنوان،وصورة وتعليق، ونبرة، وسياق، وكلها عناصر تصنع الانفعال وتوجه الفهم قبل أن يبدأ الحكم على الوقائع. ومن ثم فإن مسؤولية الإعلام الرياضي المحلي لا تبدأ عند صحة الخبر فقط، بل تبدأ أيضًا عند كيفية تقديمه، لأن طريقة العرض نفسها قد تبني وعيًا رصينًا، كما قد تؤجج انفعالًا غير منضبط.
ويفيدنا أيضًا يورغن هابرماس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني المعروف بنظريته في الفضاء العمومي والتواصل العقلاني، حين يجعل من الإعلام مجالًا لتداول الرأي العام حول القضايا المشتركة.فإذا طبقنا هذا التصور على المجال الرياضي المحلي، وجدنا أن الإعلام لا ينبغي أن يبقى حبيس النتيجة والمباراة والحدث العابر، بل ينبغي أن يتحول إلى فضاء للنقاش العمومي الرصين حول قضايا التكوين،والبنيات التحتية، والرياضة المدرسية، والرياضة النسوية، وحكامة الأندية، وتمويل المشاريع الرياضية، وآفاق المواهب المحلية. فالإعلام الرياضي المحلي، متى ارتقى إلى هذا المستوى، لا يكون مجرد ناقل لما يقع، بل يصبح شريكًا في صناعة رأي رياضي محلي ناضج،وفي إدخال الرياضة إلى دائرة التفكير الجماعي لا إلى دائرة الاستهلاك الانفعالي فقط.
ومن زاوية ثالثة، يساعدنا بيير بورديو، عالم الاجتماع الفرنسي البارز الذي اشتغل على السلطة الرمزية وإنتاج المعاني داخل الحقول الاجتماعية، على فهم أن الخطاب الإعلامي لا يصف الواقع فقط، بل يشارك في بنائه. فاللغة ليست وعاءً محايدًا، بل هي أداة تصنيف وتوجيه وتثبيت للمعاني. وحين يختار الإعلام المحلي مفردات بعينها في الحديث عن اللاعبين، أو الجمهور، أو الأندية، أو المنافسات، فإنه يسهم في تشكيل تمثلات مستقرة داخل الوعي الجمعي. ولذلك فإن الحديث عن الإعلام الرياضي المحلي هو، في أحد أبعاده، حديث عن سلطة رمزية قادرة على أن ترسخ الاعتدال والاحترام والإنصاف، كما يمكنها، من حيث لا تقصد أحيانًا، أن تعيد إنتاج التوتر أو التبخيس أو التهويل.
أما نوربرت إلياس، عالم الاجتماع الألماني الذي ارتبط اسمه بتحليل التمدن وتهذيب السلوك داخل المجتمعات الحديثة، فقد بين أن المجتمعات لا تلغي الانفعالات، ولكنها تعيد تنظيمها وتهذيبها داخل نسق من القواعد. والرياضة، في هذا الأفق، ليست انفجارًا للفوضى، بل صيغة حضارية لتنظيم التنافس وضبط الحماسة داخل قواعد متفق عليها. ولذلك فإن الإعلام الرياضي المحلي يؤدي دورًا حضاريًا حين يساعد على ترويض الانفعال الرياضي، لا على إطلاقه بلا ضابط؛ وحين يحول الحماسة إلى تشجيع مسؤول، والانتماء إلى التزام أخلاقي، والاختلاف إلى تنافس مشروع لا إلى خصومة مفسدة.
ومن المفكرين الذين يحسن استحضارهم كذلك “يوهان هويزينغا”المؤرخ والمفكر الهولندي، المعروف بأطروحته حول “الإنسان اللاعب”ووظيفة اللعب في بناء الثقافة. فهويزينغا يذكرنا بأن اللعب ليس نشاطًا هامشيًا أو زائدًا عن الحاجة، بل هو عنصر مؤسس في الثقافة الإنسانية نفسها. وإذا كانت الرياضة امتدادًا حديثًا ومنظمًا لفكرة اللعب، فإنها ليست منفصلة عن المعاني التي يبنيها المجتمع حولها. وهنا تبرز أهمية الإعلام الرياضي المحلي، لأنه يسهم في تحويل الرياضة من مجرد ترفيه عابر إلى حامل لرموز المدينة وصور الانتماء ومعاني القدوة.
وفي المقابل، يفيدنا “بيير دو كوبرتان”لمفكر التربوي الفرنسي ومؤسس الألعاب الأولمبية الحديثة، في التذكير،بأن الرياضة الحديثة لم تقم في أصلها على منطق الفوز وحده، بل على منطق التربية أيضًا. فكوبرتان لم يرد للرياضة أن تكون مجرد ميدان للتفوق البدني، بل أرادها مدرسة للإرادة والانضباط، والسمو الخلقي، والتعارف الإنساني. وإذا كان هذا هو البعد التربوي المؤسس لفكرة الرياضة الحديثة، فإن الإعلام الرياضي المحلي يكون أوفى لرسالة الرياضة حين يقدمها بوصفها مجالًا لصناعة الإنسان، لا مجرد فضاء للنتائج السريعة والانفعالات العابرة.
رابط الجزء الأول من المداخلة






