ولنا رأي: من ثماني ساعات إلى ثماني صور حين صار فاتح ماي عرض أزياء اجتماعي

بقلم: الدكتور إبراهيم عروش

كان فاتح ماي، يا سادة، يوما ترفع فيه القبعات للعرق، لا للنظارات الشمسية، يوم كان العامل فيه يطالب بثماني ساعات عمل، فإذا بنا اليوم نطالب بثماني “ستوري” متقنة الفلترة، تثبت أننا تعبنا… في اختيار الفندق المناسب!

في الأصل، ولد هذا اليوم من رحم المعاناة: من إضرابات شيكاغو 1886 حيث سال العرق والدم معا، لا “اللايكات”. هناك، كان العامل يطلق صوته في وجه آلة جشعة، بينما اليوم يطلق هاتفه في وجه البحر، ليثبت أنه “مستمتع بحقوقه”… ولو ليوم واحد مؤدى عنه.

كان الأول من ماي شعاره: “ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات راحة، ثماني ساعات نوم”، أما اليوم فقد أصبح الشعار: “ثماني صور على الشاطئ، ثماني تعليقات غيورة، وثماني ديون مؤجلة الأداء بعد العطلة”.

النقابات، في نسختها الأصلية، كانت تقيّم المكتسبات وتضغط لتحسين ظروف العمل. أما اليوم، فبعضنا يقيّم جودة “البوفيه” ويضغط على زر “Partager” ليحسن ظروف حسد الجيران.
كان التضامن بين العمال عابرا للحدود، واليوم التضامن بين “المؤثرين” عابر للفلاتر:
“أخي، أين التقطت هذه الصورة؟”
“في نفس المكان الذي نسيت فيه معنى النضال.”

في أوروبا، لا يزال العيد يحمل شيئا من هيبته: مسيرات، خطب، زهر الزنبق البري… أما عندنا، فقد تطور الأمر إلى زنبق بلاستيكي يشترى في الطريق إلى الشاطئ، فقط ليظهر في خلفية الصورة كدليل على “ثقافة احتفالية”.
وهكذا، بدل أن يكون الزنبق رمزا للأمل، صار رمزا للديكور… مثل بعض الشعارات التي ترفع ولا تفهم.

في أمريكا، اختاروا أن يحتفلوا بعيد العمال في شتنبر، ربما ليتفادوا “حرج الذاكرة”. أما نحن، فلا نحتاج إلى تغيير التاريخ… نحن غيرنا المعنى بالكامل.
فالعامل الذي كان يقف في وجه الرصاص، أصبح يقف في طابور الفندق، يدافع عن حقه في “Check-in” مبكر، وكأنها معركة مصيرية من أجل الكرامة.

المفارقة المؤلمة أو المضحكة حد البكاء أن كثيرا ممن يحتفلون اليوم، يعودون غدا إلى نفس ظروف العمل التي كان يفترض أن يحتجوا عليها.
يعودون بصور جميلة… وواقع لم يتغير.
يعودون بذكريات… وحقوق مؤجلة.

فاتح ماي لم يعد يوما للعمال… بل يوما “للعطلات المنفوخة بالدوباج”، حيث يتم تضخيم الفرح، ومونتاج التعب، وإخراج حياة مثالية لا توجد إلا على الشاشة.
أما الحقيقة؟
فهي لا تزال تعمل ثماني ساعات… وربما أكثر.

كان العامل قديما يقول: “نريد حياة كريمة”.
أما اليوم فيقول: “نريد صورة تبدو كأنها حياة كريمة”… ولو كانت “بالدوباج”
معلومة :
زهرة الزنبق البري المعروفة علميا باسم Convallaria majalis، وهي رمز تقليدي ليوم فاتح ماي في عدة دول أوروبية، خاصة فرنسا.

  • Related Posts

    في الجديدة… الجميع خبراء إلا في اختيار الأنسب لتسيير المدينة

    في مدينة الجديدة، يكاد لا يختلف اثنان حول أي موضوع، فالجميع يتحدث في السياسة والاقتصاد والرياضة والثقافة والعمران والبيئة، في المقاهي كما في الفضاءات العامة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، يتحول…

    العبرة بالخواتيم: عندما يختار داحا الملفات الكبرى بدل المجاملات

    منذ تعيين الصالح داحا عاملا على إقليم الجديدة، والشارع المحلي يعيش على إيقاع نقاش مستفيض حول أسلوب التدبير الترابي الجديد للمنطقة. نقاش يتأرجح، كالعادة، بين قراءات متباينة تنظر إحداها بعين…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    رياضة

    اختبارات بدنية تحسم مصير الوحيدي وأكرد قبل مواجهة البرازيل

    اختبارات بدنية تحسم مصير الوحيدي وأكرد قبل مواجهة البرازيل

    الرباط على موعد مع نخبة ألعاب القوى العالمية في محطة العصبة الماسية

    الرباط على موعد مع نخبة ألعاب القوى العالمية في محطة العصبة الماسية

    عقوبات الكلاسيكو بين الرجاء والجيش تمنع جماهير الدفاع الجديدي من التنقل

    عقوبات الكلاسيكو بين الرجاء والجيش تمنع جماهير الدفاع الجديدي من التنقل

    كيف يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي؟

    كيف يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي؟

    الحسيمة.. فتيات دار الفتاة بتارجيست يبلغن نصف نهائي البطولة الوطنية

    الحسيمة.. فتيات دار الفتاة بتارجيست يبلغن نصف نهائي البطولة الوطنية

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الثاني)

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الثاني)
    error: Content is protected !!