يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي الرياضي من جهات متعددة، فهو أولا يوسع معنى الرياضة في وعي المجتمع، حين يخرج بها من دائرة المباراة والنتيجة إلى دائرة التربية والصحة والشباب والتنمية والانتماء، فالرياضة لا تبدأ في المدرجات، بل تبدأ في المدرسة، وفي الحي وفي الأسرة، وفي الفئات الصغرى، وفي طريقة حديث المجتمع عنها، والإعلام المحلي، بحكم قربه من هذه الدوائر كلها، أقدر من غيره على جعل الرياضة قضية مجتمعية وليست مجرد مادة خبرية.
وهو ثانيا يصنع القدوة المحلية، فالقدوة القريبة من الناس أعمق أثرا من القدوة البعيدة، وحين يبرز الإعلام الرياضي المحلي نماذج الاجتهاد والانضباط والالتزام داخل المدينة والإقليم، فإنه يغرس في الناشئة معنى أن النجاح الرياضي ليس ثمرة الموهبة وحدها، بل نتيجة الصبر والعمل والتكوين والتربية، وهذا دور جوهري، لأن المجتمعات لا تنهض بالقيم المجردة فقط، بل تنهض أيضا بالنماذج الحية التي تجسد تلك القيم في الواقع.
وهو ثالثا يرتب العلاقة بين الجمهور والرياضة، فالجمهور ليس مجرد متلق محايد، بل هو جزء من المشهد الرياضي نفسه، وطريقة مخاطبته، واللغة المستعملة في الحديث عنه، والنبرة المعتمدة في معالجة قضاياه، كلها تؤثر في سلوكه، فإذا خوطب بوصفه شريكا في البناء، ارتقى خطابه وسلوكه، أما إذا غُذّي فقط بلغة الإثارة والاصطفاف والانفعال الحاد، فإن المجال الرياضي يصبح أكثر هشاشة أمام الاحتقان، ولذلك فإن الإعلام الرياضي المحلي يؤدي وظيفة تربوية دقيقة حين يعيد تعريف التشجيع باعتباره انتماءً مسؤولا، لا مجرد انفعال منفلت.
ثانيا: الإعلام الرياضي المحلي وترسيخ القيم والأخلاق
أما من جهة ترسيخ القيم والأخلاق الرياضية، فإن للإعلام المحلي موقعا بالغ الحساسية، فالقيم لا تغرس بالخطب المباشرة وحدها، وإنما تبنى بالتكرار، والتمثيل، واللغة، والاختيار، والإبراز، وطريقة ترتيب الأولويات، ومن ثم فإن كل مادة إعلامية محلية، مهما بدت بسيطة، يمكن أن تكون مساهمة في ترسيخ قيمة أو في إضعافها، فحين يثمن الإعلام روح الفريق، ويحترم المنافس، ويشيد بالانضباط، ويبرز الجهد الإداري والتربوي داخل الأندية، فإنه يغرس في المتلقي أن الرياضة منظومة أخلاق قبل أن تكون مجال نتائج.
وفي هذا الإطار، يبدو لي أن الإعلام الرياضي المحلي قادر على خدمة أربع قيم مركزية على الأقل، أولها قيمة الاحترام: احترام الخصم، واحترام الحكم، واحترام المؤسسة، واحترام الجمهور.
وثانيها قيمة الإنصاف :إنصاف مختلف الرياضات، وإنصاف المبادرات الصغيرة التي قد لا تجد حضورا في الإعلام الوطني، وإنصاف المواهب الصاعدة التي تحتاج إلى من يسلط الضوء عليها، وثالثها قيمة المسؤولية: أي إدراك أن الكلمة الإعلامية ليست عابرة الأثر، وأن الانزلاق في تقديرها قد ينعكس على المناخ الرياضي كله.
ورابعها قيمة الاعتدال: أي الحيلولة دون انزلاق الحماسة الرياضية إلى التعصب، أو تحول التنافس المشروع إلى استقطاب يفسد المعنى التربوي للرياضة.
ومن هنا فإن البعد الأخلاقي في الممارسة الإعلامية الرياضية ليس أمرا زائدا، بل هو قلب الرسالة نفسها فالأخلاق هنا لا تعني فقط الصدق في نقل الخبر، بل تعني أيضا التوازن في الحكم، والإنصاف في العرض، وحسن تقدير العواقب، والقدرة على التمييز بين النقد البنّاء والتحريض المقنع، وبين الحرية المهنية والمسؤولية المجتمعية.
والإعلام الرياضي المحلي، بحكم قربه من النسيج المجالي والاجتماعي، مدعو أكثر من غيره إلى هذا الوعي الأخلاقي، لأنه يتعامل مع جمهور يعرفه، وفضاء يؤثر فيه مباشرة، وقضايا لا تبقى آثارها في الشاشة أو الورق، بل تنتقل إلى الواقع اليومي للمدينة.
ثالثا: الجديدة بوصفها مجالا حيا للرهان
وليس المقصود بهذا كله توجيه اللوم إلى الإعلاميين المحليين أو تحميلهم وحدهم مسؤولية ما يقع في المشهد الرياضي. فالحقيقة أن الصحافة والإعلام المحليين يشتغلان في كثير من الأحيان في ظروف ليست سهلة، ومع ذلك ينهضان بدور معتبر في مواكبة نبض المدينة، وحفظ ذاكرتها، وإبراز مبادراتها وطاقاتها، ولذلك فإن الحديث هنا ينبغي أن يمر بروح دبلوماسية قائمة على الشراكة والتقدير، فالمطلوب ليس محاكمة الإعلام المحلي، بل التفكير معه، ومن خلاله، في شروط تطوير أثره التربوي والقيمي.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن التحدي الأساسي اليوم ليس في وجود إعلام رياضي محلي من عدمه، بل في نوعية الوظيفة التي يؤديها، فثمة فرق بين إعلام يكتفي بملاحقة الحدث في سطحه المباشر، وإعلام يضيف إلى الخبر سياقه، وإلى النتيجة معناها، وإلى المباراة بعدها التربوي والثقافي، وثمة فرق بين تغطية تنحصر في لحظة الإثارة، وتغطية تجعل من الحدث الرياضي مناسبة للتأمل في أحوال الرياضة بالمدينة والإقليم، وهذا الانتقال من “الخبر” إلى”المعنى” هو في نظري، عين الرهان المطروح على الإعلام الرياضي المحلي.
أما مدينة الجديدة، فإنها تمثل مجالا حيا لهذا الرهان، فالجديدة ليست فقط مدينة ذات تاريخ كروي معروف، بل هي أيضا مدينة ذاكرة رياضية متنوعة، تمتد من الأندية والفرق إلى الفضاءات المفتوحة والمبادرات المحلية والتظاهرات ذات الإشعاع، ولا شك أن حضور الدفاع الحسني الجديدي في الوجدان المحلي يظل معطى مركزيا في تشكل الهوية الرياضية للمدينة؛ غير أن الوعي الرياضي الذي نحتاجه اليوم هو الذي يوسع هذا الأفق ليشمل الرياضات الأخرى، والطاقات الصاعدة، والرياضة المدرسية، والرياضة النسوية، وكل ما ينسجم مع خصوصية المدينة ومجالها الساحلي والثقافي.
ومن هنا، فإن من الأدوار النبيلة التي يمكن أن يضطلع بها الإعلام الرياضي المحلي بالجديدة أن يكون أمينا على الذاكرة الرياضية للمدينة، لا ناقلا للحاضر فقط، فالمدن لا تبنى بالمشاريع وحدها، بل تبنى أيضا بالذاكرة التي تحفظ أسماء رجالها ونسائها، وأنديتها، وملاعبها، ولحظات إشعاعها، وتعثراتها، ومبادراتها، وحين يكتب الإعلام المحلي عن هذه الذاكرة، أو يستحضرها في مناسبة رياضية، أو يربط بين الجيل الجديد وما راكمته المدينة عبر عقود، فإنه يمارس وظيفة ثقافية عميقة، ويعيد إنتاج الشعور بالانتماء على أسس إيجابية.
كما أن الإعلام الرياضي المحلي بالجديدة يستطيع أن يضطلع بوظيفة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإنصاف الرمزي لمختلف الفاعلين الرياضيين، فليس من العدل أن يظل الضوء مسلطًا على لعبة واحدة، أو على اسم واحد، أو على حدث واحد، مهما كانت أهميته.إن المدينة التي تحتضن مبادرات متنوعة، ومواهب متعددة، وتجارب رياضية مختلفة، تحتاج إلى إعلام يوزع الاعتراف بعدل، ويمنح مختلف الرياضات فرصة الظهور، حتى يتوسع الوعي الجماعي بأن الرياضة المحلية نسيج متكامل لا يختزل في عنوان واحد.
ملاحظات تطويرية بروح الشراكة
وفي تقديري، فإن الإعلام الرياضي المحلي بالجديدة يستطيع أن يسهم في التنمية الرياضية للمدينة متى انطلق من ثلاث قواعد: القرب المسؤول، والتأطير القيمي، والرؤية التوسعية.
فالقرب المسؤول يعني أن يكون قريبًا من الناس ومن قضاياهم الرياضية، لكن دون أن يفقد مسافة التبصر والإنصاف. والتأطير القيمي يعني أن يجعل من كل معالجة إعلامية فرصة لترسيخ قيمة، أو تصحيح تمثل، أو تهذيب انفعال. أما الرؤية التوسعية فتعني أن ينظر إلى الرياضة المحلية بوصفها مجالًا مركبًا، لا مجرد أخبار متفرقة أو أحداث موسمية.
وبروح الشراكة نفسها، يمكن الإشارة – بكل تقدير – إلى أن المرحلة الراهنة تدعو إلى مزيد من الانتقال من مجرد الخبر إلى التحليل، ومن السبق السريع إلى التأطير الهادئ، ومن مركزة لعبة واحدة إلى الإنصاف بين مختلف الرياضات، ومن نقل الانفعال إلى تهذيب الانفعال.وهذه ليست ملاحظات تقويمية جارحة، بل هي دعوة إلى تعميق الأثر الثقافي والتربوي للإعلام المحلي في خدمة المدينة وطاقاتها.
وخلاصة القول، إن الإعلام الرياضي المحلي ليس مجرد جهاز للتغطية، بل هو مؤسسة رمزية لها أثر مباشر في تشكيل وعي الناس بالرياضة، وفي توجيه علاقتهم بالقيم والأخلاق داخل هذا المجال، فهو قادر على أن يجعل الرياضة مدرسة للذوق والمسؤولية والاحترام، كما يمكن، إذا غاب الوعي بدوره، أن يختزلها في الإثارة العاجلة والانفعال المؤقت.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس فقط في أن يكون لنا إعلام رياضي محلي حاضر، بل أن يكون لنا إعلام رياضي محلي راشد: إعلام يشرح ولا يهيج، يبني ولا يبدد، ينتقد دون أن يجرح، ويحتفي دون أن يبالغ ويؤمن بأن خدمة الرياضة المحلية ليست في تضخيم الضجيج حولها، بل في تعميق المعنى الذي تحمله داخل المجتمع.
ولذلك، فإنني أرى أن مستقبل الرياضة المحلية في مدينة مثل الجديدة لا يتوقف على الأندية والمنشآت والدعم وحدها، بل يتوقف كذلك على نوع الخطاب الذي يرافقها، وعلى مستوى الوعي الذي يصنعه هذا الخطاب، وعلى القيم التي يغذيها في الجمهور والفاعل والناشئة، وإذا كان لكل مدينة رأسمالها الرمزي، فإن من أهم رؤوس أموال الجديدة الرياضية أن تكون لها صحافة محلية واعية، وإعلام محلي رصين، وذاكرة صحفية حية، وخطاب رياضي يعكس نبل المدينة وتاريخها وآفاقها.
إن الوعي الرياضي ليس “ترفا فكريا”، بل هو “أمن مجتمعي”، إذا استمر إعلامنا المحلي في لعب دور “المهرج” الذي يضحك الحشود أو “المشجع” الذي يشحن النفوس، فإننا نبني ملاعب من الإسمنت وعقولا من القش. والرهان الحقيقي لمغرب 2030، وللمدينة الجميلة “الجديدة”، هو أن يكون لدينا “إعلام يجرؤ على المساءلة”، لأن الوعي يبدأ حين ينتهي التصفيق ويبدأ التفكير.
رابط الجزء الأول من المداخلة:
https://wamdanews.com/?p=15651
رابط الجزء الثاني:






