لم يعد ممكنا التعامل مع ملف الصحراء المغربية بمنطق الانتظار أو الاكتفاء بردود الفعل الدبلوماسية، في ظل تحولات دولية وإقليمية متسارعة تعيد رسم موازين القوى وتفرض مقاربات أكثر جرأة ووضوحا، فالقضية لم تعد فقط موضوع تدبير سياسي، بل انتقلت إلى مرحلة تتطلب إعادة تعريف أدوات الاشتغال وآليات الحسم.
وفي هذا السياق، يبرز مطلب تفكيك مخيمات تندوف كأحد أكثر الأطروحات إثارة للنقاش، لما يحمله من أبعاد استراتيجية وقانونية قادرة على تغيير قواعد اللعبة بشكل جذري.
في هذا الإطار، يطرح الدكتور محمد الطيار قراءة تحليلية لافتة لملف الصحراء المغربية، يضع من خلالها مطلب تفكيك مخيمات تندوف في صلب النقاش الاستراتيجي الراهن، باعتباره لم يعد مجرد طرح إعلامي أو موقف ظرفي، وإنما خيارا تفرضه معطيات المرحلة وتوازناتها الجديدة.
ويرى الدكتور الطيار، أن مطلب تفكيك مخيمات تندوف في هذه المرحلة لا يعد مجرد خيار إعلامي، فقد اصبح ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات الميدانية والسياسية، حيث يهدف هذا المطلب إلى نقل ملف الصحراء المغربية من دائرة التدبير الدبلوماسي إلى دائرة الحسم النهائي، عبر ضرب الركيزة البشرية التي يقوم عليها المشروع الانفصالي وتفنيد السردية التي تروج لها الجزائر والبوليساريو منذ عقود، فضلا عن كونه مطلب سيسير بشكل موازي مع مطلب اخر يتوسع يوما بعد يوم ويتعلق بمطلب تصنيف البوليساريو كتنظيم إرهابي.
ويضيف الدكتور الطيار في هذا الصدد، أن أهمية هذا المطلب تتجلى في كونه يغير قواعد الاشتباك السياسي، فبدلا من البقاء في موقف الدفاع، يصبح المغرب والمجتمع المدني ومنصات الفكر في موقع الهجوم الأخلاقي والقانوني بحكم أن المطالبة بالتفكيك تعني كشف الحقيقة الصادمة بأن هذه المخيمات ليست ملاذا إنسانيا وأن عدد المحتجزين المغاربة قليل جدا ولا يتجاوز 12 في المائة من مجموع ساكنة المخيمات التي تشكل أداة ضغط سياسي ورهينة في يد النظام العسكرى الجزائري منذ عقود، مما يحول قادة الانفصال في نظر العالم من حركة سياسية مزعومة إلى جماعة احتجاز تتاجر بآلام المحتجزين، وتجعل النظام العسكرى الجزائري متورطا بقوة في جريمة الاتجار بالبشر.
ويبرز المتحدث نفسه، أن مطلب تفكيك المخيمات ينسجم مع التوازنات الدولية الحالية ويمكن تحقيق هذا المطلب بشكل غير مسبوق، خاصة مع تنامي الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وتزايد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، فالعالم اليوم، الذي يواجه تحديات أمنية كبرى في منطقة الساحل والصحراء، بات ينظر إلى مخيمات تندوف كبؤرة لعدم الاستقرار ومشتل للتطرف، مما يجعل من تفكيكها ضرورة أمنية إقليمية ودولية تتجاوز مجرد الحسابات السياسية الضيقة.
كما أن الانتصارات الدبلوماسية المغربية المتلاحقة وضعت الأطروحة الانفصالية في عزلة خانقة، مما يجعل الوقت مثاليا للضغط باتجاه إنهاء الوضع الشاذ للمخيمات، فالجزائر بصفتها الطرف الرئيسي في النزاع المفتعل في الصحراءالمغربية، أصبحت تجد صعوبة متزايدة في تبرير رفضها لإحصاء السكان أو منعهم من حرية التنقل، وهو ما يمنح مطلب التفكيك مشروعية قانونية قوية تستند إلى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وقانون اللجوء الذي يمنع استغلال اللاجئين لأغراض عسكرية أو سياسية.
وفي موضوع ذي صلة، وعلى المستوى الداخلي للمخيمات، أبرز الدكتور الطيار أن جبهة البوليساريو تعيش أسو فتراتها بسبب تصاعد الاحتقان الشعبي وفشل أطروحة الحرب في تغيير الواقع على الأرض، هذا التوازن المختل لصالح المغرب يغذي دينامية العودة بالنسبة للساكنة من أصل مغربي ويجعل من مطلب التفكيك صرخة أمل للمحتجزين أنفسهم، الذين باتوا يدركون أن مستقبلهم يكمن في التنمية والكرامة التي توفرها المملكة، وليس في سراب الانفصال الذي يقتات على معاناتهم داخل خيام متهالكة فوق أرض غير أرضهم.
وبناء على ذلك، يرى الدكتور محمد الطيار، أنه يقع على عاتق النخبة الفكرية والإعلامية، وفي مقدمتها المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، استثمار هذه التوازنات لفرض واقع جديد والعمل على ترويج هذا المطلب بقوة في المحافل الدولية وفي الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، مما سيؤدي حتما إلى تجفيف منابع الدعم للبوليساريو، ووضع خصوم الوحدة الترابية في زاوية ضيقة، حيث يصبح استمرار المخيمات عبئا أخلاقيا وسياسيا لا يمكنهم تحمله أمام المجتمع الدولي.
