ليست كل الصرخات تُسمع… لكن صرخة مريضٍ يُحمل على عجل، بين الحياة والموت، وهو يبحث عن سرير إنعاش فلا يجده، هي صرخة لا يجوز أن تمرّ عابرة.

في إقليمٍ يفترض أنه جزء من منظومة صحية وطنية، أصبح الولوج إلى قسم الإنعاش أشبه برحلة مجهولة العواقب. العرض المتاح من أسِرّة الإنعاش بات ضيقا، بل مقزما، أمام طلب متزايد لا ينتظر. والنتيجة؟ مرضى في حالات حرجة يُؤجل إنقاذهم… أو يرحَّلون في سباقٍ مع الزمن نحو مدن أخرى، لعلهم يعثرون على سرير شاغر، أو على بصيص أمل.

تخيّل لا كتمرينٍ ذهني، بل كواقع يومي أن تقف أمام عائلة مريض يقاوم الموت، لا يحتاج إلا لتنفس اصطناعي أو تدخل تقني بسيط نسبيا، فتخبرهم بأن “لا مكان”.

أي قسوة هذه التي تجعل النجاة رهينة سرير؟ وأيّ عبءٍ نفسي يلقى على مهنيي الصحة وهم يدركون أن الإمكانيات، لا الكفاءة، هي ما يحد من قدرتهم على الإنقاذ؟ ثم تبدأ رحلة المعاناة: تحويل نحو الدار البيضاء، بحث مضن عن سرير، تكاليف نقل، إكراهات مادية، أسئلة عن التغطية الصحية، وتأخر قد يكون قاتلا.

هنا لا نتحدث فقط عن نقص في التجهيزات، بل عن خلل في عدالة الولوج إلى الحق في العلاج، وعن تفاوت يمس جوهر الكرامة الإنسانية، إنه ناقوس خطر… لكنه ليس موجها لقطاع الصحة وحده، إنما هو نداء إلى: المسؤولين الصحيين: لتقوية الطاقة الاستيعابية لأقسام الإنعاش، عبر إحداث أسرّة إضافية، وتوفير التجهيزات الأساسية، وتثبيت الموارد البشرية المؤهلة.

وإلى صناع القرار: لاعتبار الإنعاش أولوية استثمارية عاجلة، لا بندا مؤجلا في الميزانيات، وإلى المنتخبين والسياسيين: للدفاع الجاد عن هذا الملف داخل المجالس والمؤسسات، بعيدا عن الشعارات الموسمية، وإلى الفاعلين الاجتماعيين والمؤثرين: لتحويل هذه المعاناة من همس محلي إلى قضية رأي عام. وإلى المجتمع المدني: لاقتراح حلول عملية، من شراكات، إلى دعم لوجستي، إلى مبادرات تضامنية مدروسة.

ما نحتاجه ليس فقط أسرّة أكثر، بل منظومة إحالة فعالة، وشفافة، تمكن من معرفة الأماكن الشاغرة في الزمن الحقيقي، وتقلص زمن الانتظار القاتل.

نحتاج أيضا إلى توزيع مجالي عادل، حتى لا تتحول بعض المدن إلى “ملاجئ إنعاش” ترهقها التحويلات، فيما تبقى أقاليم كاملة خارج التغطية الكافية.

وهنا نعود إلى الخطاب السامي : السير بسرعتين، الكرامة لا تجزأ، ومريض في غيبوبة لا يملك رفاهية الانتظار، ولا القدرة على الدفاع عن حقه، والدفاع عنه مسؤولية الجميع.

إن إنقاذ حياة واحدة ليس إنجازا تقنيا فحسب… بل هو امتحان أخلاقي لمجتمع بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!