منذ تعيين الصالح داحا عاملا على إقليم الجديدة، والشارع المحلي يعيش على إيقاع نقاش مستفيض حول أسلوب التدبير الترابي الجديد للمنطقة. نقاش يتأرجح، كالعادة، بين قراءات متباينة تنظر إحداها بعين الانتقاد المعتاد لـ “سياسة الباب المغلق”، في حين تفكك القراءة الثانية والعميقة جوهر التحول المؤسساتي الذي يؤسس له الرجل منذ قدومه.
والحقيقة الميدانية التي تخفى على الكثيرين، هي أن التدبير الحديث لا يقاس بمنسوب العلاقات العامة والمجاملات الشفهية، بل بالقدرة على التخطيط الاستراتيجي وفرض “ديمقراطية الاختصاصات”، إذ منذ أيامه الأولى، لم يقتصر العامل داحا على الجلوس في مكتبه المكيف، بل باشر جولات ماراطونية قادته إلى الجماعات الترابية الـ 27 للإقليم.
لم تكن تلك الزيارات للاستعراض، بل كانت بمثابة “تشخيص ميداني دقيق” (Audit) وقف خلاله شخصيا على الأوجاع البنيوية المشتركة للجماعات، وفهم الخصائص المجالية والاقتصادية لكل منطقة على حدة، وبمجرد انتهاء هذه المرحلة الاستطلاعية وتجميع المعطيات، حدث التحول الطبيعي في الأسلوب؛ حيث دخل الرجل مكتبه بالعمالة ليغلق الباب أمام “لغط اللقاءات الهامشية” وانكب بشكل كامل على هندسة الملفات الكبرى للإقليم.
هذا “الانغلاق الإيجابي” هو في عمقه تفرغ لمعارك ترافعية كبرى على المستوى الجهوي والمركزي، من أجل جلب الدعم المالي الاستثنائي لتقوية الشبكة الطرقية بالإقليم وتأهيل بنيته التحتية المتهالكة، وهو عصب أي إقلاع اقتصادي حقيقي، وليس أدل على حجم هذه الرهانات الاستراتيجية من التقارير الإعلامية الدولية، كالتقرير الأخير لصحيفة “ديلي ميل” البريطانية، الذي سلط الضوء على المؤهلات الهائلة للجديدة والمنطقة الصناعية للجرف الأصفر، واصفا مستقبلها الاقتصادي الواعد بما يشبه “دبي العالم”.
ولعل مكمن الحكمة في حكامة الدولة المعاصرة، يتجلى في أن عددا من المشاريع الكبرى التي تستعد مدينة الجديدة لاستقبالها، والتي يدرسها عامل الإقليم الصالح داحا رفقة معاونيه من لجان تقنية متخصصة وغيرها، لا يسعنا الحديث عنها إلا في حينها، ضمانا لأمنها الاستثماري، وحمايتها من الإشاعات، والمزايدات السياسوية، أو المضاربات العقارية الاستباقية.
إن داحا ينهج ثقافة “العمل الصامت” التي تقطع مع بروباغندا “بيع الوهم”؛ فالرجل يؤمن بأن الإعلان عن المشاريع لا يصح إلا بعد نضجها التام ومصادقة المصالح المركزية والوزارات الشريكة عليها، وفي مقابل هذه الأوراش التنموية الضحمة، يتعالى صوت عتاب من بعض الجهات التي تطالب بمقابلة العامل لمناقشة مشاكل يومية صغيرة. وهنا تبرز مفارقة “الاختصاص”؛ فمن العيب سياسيا وقانونيا تحميل “رجل الدولة الاستراتيجي” مسؤولية خدمات القرب واليومي والمشاحنات المحلية، في الوقت الذي تمتلك فيه المدينة مجالس جماعية منتخبة وممثلي أمة منحتهم الساكنة أصواتها ليكونوا هم القناة المباشرة للإنصات والتواصل وحل مشاكل الأحياء وملاعب القرب والنظافة. ناهيك عن المصالح الأخرى التي لكل منها اختصاصاتها كالشرطة الإدارية وغيرها.
إن احترام الاختصاصات هو أولى ركائز الحكامة الجيدة؛ فالعامل يؤمن بأن لكل شخص مجال اختصاصه الذي يتقنه ويتحمل مسؤوليته، كما يعلم أن استهلاك وقت السلطة الإقليمية الأولى في لقاءات بروتوكولية ومجاملات اجتماعية هو تعطيل صريح للمشاريع المهيكلة التي تهم مستقبل آلاف الأسر في الإقليم، فالمرحلة الحالية بالجديدة هي معركة بناء وتخطيط صامت خلف الكواليس، وعندما يرى المواطن والناقد في الغد القريب جيلا جديدا من البنيات التحتية والمناطق الصناعية قد خرجت للعلن بصفة رسمية وجاهزة للتنفيذ، حينها فقط سينقشع ضباب العتاب، وسنبلغ جميعا درجة الوعي الكافية للمقصد العميق والراقي للحكمة المأثورة: “العبرة بالخواتيم”؛ فالنتائج الميدانية المستقبلية هي وحدها الكفيلة بتقديم الجواب الشافي والمنصف للجميع.









