في مدينة الجديدة، يكاد لا يختلف اثنان حول أي موضوع، فالجميع يتحدث في السياسة والاقتصاد والرياضة والثقافة والعمران والبيئة، في المقاهي كما في الفضاءات العامة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، يتحول المواطن إلى خبير قادر على تشخيص الأعطاب واقتراح الحلول وتقييم أداء المسؤولين والمنتخبين، دون أن ننسى صنف العميقون.
لكن المفارقة الكبرى أن هذه المدينة التي تزخر بالخبراء والمحللين والمعلقين، تبدو عاجزة في كل محطة انتخابية عن حسم سؤال بسيط، ألا وهو من هو الشخص الأقدر على تدبير شؤونها المحلية؟
فعلى امتداد عقود، تعاقب على تدبير المدينة منتخبون من توجهات مختلفة، ورفعت شعارات كثيرة ووعود أكبر، غير أن الحصيلة ظلت في كثير من الأحيان دون مستوى تطلعات الساكنة.
ومع ذلك، يتكرر المشهد نفسه مع كل استحقاق انتخابي، حيث تطغى الاعتبارات الشخصية والعائلية والحزبية والظرفية، وأحيانا كثيرة الأظرفة على النقاش الحقيقي المرتبط بالكفاءة والبرنامج والقدرة على الإنجاز.
ولعل أكبر أزمة تعيشها الجديدة ليست أزمة موارد أو مؤهلات، فالمدينة تتوفر على واجهة بحرية متميزة وموقع استراتيجي وقطب صناعي مهم ومؤهلات سياحية كبيرة، وإنما أزمة اختيار، فالتنمية تبدأ من صندوق الاقتراع، وحين يكون الاختيار مبنيا على العاطفة أو المصالح الضيقة أو الحسابات الظرفية، فإن النتائج تكون في الغالب انعكاسا طبيعيا لذلك.
إن النقد حق مشروع، وهو ضرورة لأي مجتمع ديمقراطي، لكن هذا النقد يفقد جزءا من مصداقيته عندما لا يرافقه وعي انتخابي حقيقي، إذ من غير المنطقي أن نشتكي من سوء التدبير ونتهم الجميع بالتواطؤ دون دلائل، ثم نعيد إنتاج الأسباب نفسها التي أوصلتنا إليه.
لقد آن الأوان أن ينتقل النقاش في الجديدة من مرحلة البحث عن المسؤول عن الإخفاقات إلى مرحلة مساءلة الذات الجماعية حول طبيعة الاختيارات التي يتم تكريسها في كل موعد انتخابي، خصوصا وأن المشكل ليس دائما في المنتخب بعد وصوله إلى المنصب، وإنما في لحظة وضع الورقة داخل صندوق الاقتراع.
عندما تدرك المدينة أن التصويت مسؤولية قبل أن يكون حقا، وأن الكفاءة يجب أن تتقدم على الولاءات والاعتبارات الضيقة، عندها فقط يمكن أن نأمل في رؤية جديدة مختلفة، لا تكتفي بانتقاد واقعها، وإنما تحسن اختيار من يصنع مستقبلها.









