ليس الفقد في رحيل المبدعين، بل في الطريقة التي نشيع بها أسماءهم إلى الهامش، كأنهم لم يكونوا يوما نبضا في جسد المكان. هكذا يطل اسم عبد الله الدغوغي، شاعر آسفي، من منطقة بين الحضور والغياب؛ حاضرا في ذاكرة القصيدة، غائبا عن ذاكرة التكريم.
في مدينة تعانق البحر، وتنسج من ملوحته حكاياتها، كان الدغوغي رحمه الله، واحدا من أولئك الذين أصغوا جيدا لصوت الموج، فحولوه إلى شعر، وافتخر في قصائده بمدينته وقصيدة “مدينتي آسفي” واحدة من تلك القصائد.
من عمق الحياة، من تفاصيلها الصغيرة، من انكساراتها الخفية، ومن تلك المساحات التي لا يراها إلا من امتلك حس الإصغاء، في دواوينه، من “ترانيم آسفية”، “هس الخاطر”، “رجع الصدى” “همسات دافئة”، “على ضفاف العشق ودعت القمر” إلى آخر أعماله “نسائم من الشرق”، تتكثف تجربة إنسانية دافئة، تشبه همس البحر حين يلامس صخر المدينة. لكن، أي مفارقة أقسى من أن يحتفى بالشعر، ويغفل اسم شاعر؟ وأي معنى لمهرجان يقام باسم الكلمة، إن لم ينحن — ولو لحظة — لذاكرة من كتبوا لها الحياة؟ مرت الدورة الرابعة من مهرجان “ربيع الشعر” بآسفي كما تمر المناسبات التي تكتفي بالاحتفاء العابر، دون أن تترك أثرا في جوهر الذاكرة.
لم يحضر اسم عبد الله الدغوغي كما يليق به، ولم يمنح ذلك الحضور الرمزي الذي يعيد إليه مكانه في وجدان المدينة. وكأن الغياب الجسدي كان كافيا، فاستكمل بغياب آخر، أشد قسوة: غياب الاعتراف.
التكريم ليس مجاملة، بل وفاء، وترسيخ لثقافة الاعتراف، وشكل من أشكال العدالة الرمزية التي تمنح للمبدع ما لم تمنحه له الحياة دائما.
حين نسمي الأشياء بمسمياتها، ونرفع أسماء الشعراء في فضاءاتنا الثقافية، فإننا لا نعيد لهم الاعتبار فقط، بل نعيد تعريف أنفسنا أيضا: من نكون، وماذا نقدر، ولمن ننحاز، عبد الله الدغوغي رحمة الله عليه، تم تكريمه خارج بلده أكثر من مرة، وله إسهامات عديدة في المشهد الثقافي الإبداعي، حيث نال تقدير اليونيسيف، وحصل على ماجيستر من الأكاديمية الدولية لسفير القلم بهولندا، بالإضافة إلى شهادات شرفية من الأكاديمية الدولية للسلام والتنمية البشرية المستدامة، وتم اختياره من بين أفضل الشخصيات المؤثرة من قبل أكاديمية الهزار للشعر والأدب العربي، إلى غير ذلك من الجوائز.
كم تمنيت لو أُهديت هذه الدورة من مهرجان ربيع الشعر لروح الفقيد، الشاعر الآسفي الذي وافته المنية في يوليوز 2025، تكريسا لثقافة الاعتراف، احتراما للذاكرة، ولشاعر كان هنا بيننا ذات يوم، وترك ما يستحق البقاء. لكن الفرصة انزلقت، كما تنزلق أشياء كثيرة في غفلة منا.
إن المدن لا تقاس بما تقيمه من مهرجانات، بل بما تحفظه من أسماء. وآسفي، إن أرادت أن تظل وفية لروحها، فعليها أن تصغي — جيدا — لذاكرتها، قبل أن يتحول الشعر فيها إلى مجرد صدى… بلا صوت.
