ملاح الجديدة بين القيمة التاريخية وسياسة التهميش والإهمال

من أهم المآثر التاريخية ليس في دكالة وحدها وإنما في كل أنحاء المغرب الحي البرتغالي للجديدة المشهور بمسقاته وصومعة مسجده خماسية الأضلاع والفريدة من نوعها في كل بقاع العالم، لكنه يتعرض اليوم لإهمال خطير، “ومضة نيوز” وهي تواكب تقلص الزوار وتدني الإقبال السياحي جراء هذه الوضعية تفتح اليوم ملف الحي من عدة جوانب، عل وعسى تتحرك الجهات المسؤولة لرد الاعتبار لهذه المعلمة التاريخية والتراثية…

المسقاة البرتغالية أجمل تراث في مدينة الجديدة وشاهد على التاريخ، تخزن بين أضلاعها حزن الإهمال وتشتكي التفريط والإغفال، ولمن يريد أن ينبش في تاريخ المدينة فهو مخزن داخل الحي البرتغالي.

المسقاة أو الصهريج أو الخزان المائي أشهر المعالم التاريخية بمدينة مازغان، تلك المدينة الحصن التي تم بناؤها من طرف الأخوين “فرانسيسكو وديوغو” عام 1514، فتحت هذه المعلمة التاريخية للزيارة عام 1918، صنفت تراثا وطنيا بظهير 3 نونبر 1919م ثم بظهير 15 أبريل 1924م، وتم تصنيفها تراثا عالميا سنة 2004.

حسب الرواية التاريخية كانت المسقاة حين صممها “جوو دي كاستيليو” عبارة عن مستوع للحبوب واستعملت أيضا لخزن الأسلحة، وتحولت إلى خزان للمياه بعد أشغال التحصين الكبرى التي شهدتها مازغان سنة 1541م، وذلك ضمانا للماء أيام الحصار والحرب على القلعة التي تعرضت لهجمات وحصارات المغاربة.

تؤكد نفس الرواية التاريخية أن الباحثين لم يتعرفوا على طريقة تزويد الخزان بالمياه في غياب الحفريات الأثرية، غير أنهم افترضوا وجود بئر خارج أسوار القلعة من الناحية الغربية يزود الخزان بالمياه عبر قنوات باطنية بالإضافة إلى تجمعات الأمطار.

روعة المسقاة المعمارية تتمثل في وجود طبقة رقيقة من الماء تغطي الأرضية بانعكاسات ضوء السقف، مجالها عبارة عن فناء واسع تحت أرضي بتصميم مربع الشكل (حوالي 34.8م / 33.8م)، سقفها مشكل من عدة قباب متعاقدة على الطراز الهندسي القوطي مبنية بالآجور المطهي، ترتفع هذه القباب بعلو 5 أمتار عن سطح أرضية المسقاة، ومستندها 25 عمودا مبنيا بالحجارة المنحوتة 12 دائري الشكل و13 مربع الشكل، سقف المسقاة مسطح من الخارج ويتوفر على فتحة واحدة في وسطها، يصلها الماء داخل الصهريج عبر قنوات في باطن الأرض تجلبه من العيون ومن المطر عبر تلك الفتحة العليا، وتوجد بالمسقاة أدراج جانبية بين برجي الرباط والسجن تسمح بالصعود إلى سطح المسقاة عبر بوابة مقفلة، الخزان المائي يستوعب حوالي 5000 متر مربع من المياه، ولغاية يومنا هذا لازالت آثار الحد الأقصى لمستوى الماء المخزن واضحة على الجدران والأعمدة، تصريف المياه الفائضة إلى خارج المسقاة على مستوى الجدار الكائن بين برجي اللقلاق والرباط عبر ميزاب (أنبوب)، أرضية المسقاة مغطّاة بوحدات طولية من الآجور الأحمر المطهي المتصلة فيما بينها بمادة الرّصاص لمنع التسرّبات المائية،و تنحدر في اتجاه وسط المسقاة.

تصميم المسقاة البرتغالية كان بشكل هندسي دقيق، جعل منها تحفة معمارية متميزة شدّت إليها إعجاب كبار المخرجين السينمائيين العالميين والفنانين التشكيليين، ومنهم المخرج الأمريكي “أورسن ويلز”، الذي صور فيها بين عامي 1949 و1952، إحدى أروع تحفه السينمائية الخالدة “أوتيللو” (عطيل) التي كتبها وليام شكسبير، ونال ويلز الجائزة الكبرى لمهرجان “كان” السينمائي عن هذا الفيلم، وكانت المسقاة حاضرة في أعمال العديد من المؤرخين مثل المؤرخ الشهير “بيدرو دياش” الذي قال عنها: “لا يسعنا إلا التوقف عند هذه المعلمة المعمارية الفذة المتمثلة في صهريج مازيغن”.

قد لا يختلف اثنان في كون حي الملاح كان من أبرز أحياء المدينة وأكثرها حضورا سواء على المستوي الرياضي او الفني، بل وكان المزار الاول بين مزارات المدينة التي تستقطب السياح والمثقفين والفنانين الذين تجدبهم سكينة الجديدة و وداعة وطيبة ساكنيها.

لم نكن نعرف عن الملاح سوى أنه قلعة أسسها البرتغال وحررها سيدي محمد بن عبدالله وتعايشت فيها الأديان الثلاثة في إخاء وتوادد قل نظيره، وأنه مجموعة آثار تزخر وتتحدث عنها كتب التاريخ والبطاقات البريدية الملونة التي كانت تزين واجهات الأكشاك، وهذا توثيق رسمي بالسنوات وببعض الأسماء وبعض الأحداث.
لكن ماخفي كان أعظم، لأنه وكما قال الأخ محمد زيان، رئيس جمعية الحي حاليا هناك تاريخان آخران، واحد منسي والآخر مخفي، وحقيقة تاريخ الحي غير المكتوب هو مايلزم إماطة اللثام عن دفتيه لقراءة أحداث لن تنسى.
واذا كان الملاح اليوم يلعب أكثر الأدوار إشراقا في مجالات الأدب والشعر، والمسرح والفن التشكيلي بفضل وجود قاعة مسرحية جهزت لتكون معقلا للجمعيات والأدباء والفنانين من أبناء الجديدة المغبونة، فإن ذلك يشكل امتدادا لماضٍ جميل عاشه الملاح كمهد للرياضة وفضاء للفنون ومنتدى مفتوح على كل اللغات العالمية بسبب توافد مختلف الأجناس ومن كل القارات للتمتع بمعانقة الانبهار والإعجاب.
لا يمكن أن ننسى أن الملاح بسكانه الوطنيين شكل شوكة في حلق المستعمر لما أبدوه من مقاومة شرسة جعلت جنود الفرانسيس والساليغان يتخوفون من تجاوز بوابته ومن صعوبات مواجهة حماة وفدائيين.
ولا يمكن أن نهمل ماكان يتردد على ألسنة العامة من أن الملاح يخيف ( البراني) أي غير ساكنيه، على اعتبار تواجد أكثر من سجن داخله كحبس الصوار وحبس بلحمدونية ومغارات لا يمكن أن يلجها إلا الشجعان والصناديد من أبنائه.
كثيرة هي الأسماء الكروية التي أنجبتها أزقة ودروب الحي البرتغالي والتي برزت في الشاطىء والملعب وفي مختلف أقسام الدفاع الحسني الجديدي والرشاد الجديدي وفرق الأحياء كالمرحوم القدميري وأبنائه، وكريمو الساتيام ولد القرشي وسعيد النيازي وموسى عنان وآيت جورك وكوتي وزيان والقلعي والشوباشي وجعفر وبندر والإخوة أنوار حميد وعبدالحق ومنير الضيفي والأخوان زكرياء وعبد الفتاح حدراف، إضافة إلى أسماء أخرى وافاها الأجل المحتوم كفريتح والتيباري والخياط وعبد الله قوينسو وبوهيف، كما تألق الكثير من أبناء هذا الحي في السباحة والغطس من أعلى الأبراج وبعضهم كان معلما للسباحة لسنوات عديدة كعنان والعروة السي محمد.
في مجالات الفن والإبداع قدم حي الملاح أسماء وازنة أثثت المشهد الثقافي كالفنانة المرحومة عائشة مناف ومحمد شخماني (صبيبيط)، وعبدالله الجلبي، ومحمد هبول والمخرج النسناسي وهشومي، وعنان عبد الكبير في المسرح وعبد القادر الزروالي (دريبيكة) في الإيقاع بالدربوكة، ومحمد الأنصاري وفرنسي كان مقيما بالملاح اسمه جاك ازيما في الفن التشكيلي.
فالملاح إذن يحتاج لمن يكتب تاريخه الحقيقي، لمن يزيل الستائر عن الغموض الذي يلفه، وخاصة أن الكثير من أبنائه اكتسبوا بفعل الاحتكاك مع الأجانب التحدث باللغات العالمية كالفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وبإمكانهم اليوم وفي ظل جمعية الحي وبالتعاون مع بعض الإعلاميين وبعض أساتذة جامعة شعيب الدكالي ومديرية الثقافة من إعادة صياغة وكتابة محطات هامة في تاريخ الملاح بعضها تناسته الجهات الرسمية وبعضها أخفته.

قال السيد إبراهيم القلعي الرئيس السابق لجمعية الحي البرتغالي، في تصريح خص به “ومضة نيوز”: “الحي البرتغالي يوجد في وضعية كارثية ولو وجدت كلمة أعمق وأبلغ تعبيرا من كلمة كارثية لقلتها”.
وأضاف القلعي: “أما فيما يتعلق بقرار إغلاق المسقاة البرتغالية فلقد أصبحنا اليون نخجل من وضعيتها بعد إغلاق أبوابها منذ خمس سنوات خلت”.
وارتباطا بالموضوع، “هناك مواطنة برازيلية ربطت الاتصال بنا وهي في طريقها لزيارة الجديدة وبالضبط للمسقاة البرتغالية المغلقة، وهو أمر سبب لنا إحراجا كبيرا لنا كغيورين على هذه المعلمة البرتغالية والتي تعتبر ذاكرة مشتركة بين ثلاث دول المغرب البرتغال والبرازيل، هذه الأخيرة التي تتواجد بها مدينة تحمل اسم مازغان والتي تم تأسيسها من طرف البرتغال مباشرة بعد طردهم من طرف السلطان سيدي محمد بن عبد الله”.
واستطرد الرئيس السابق لجمعية الحي البرتغالي: “صراحة لقد تعبنا من توجيه النداءات للمسؤولين، ناهيك عن الإحراج الذي أصبحنا نحس به اتجاه شركائنا بمندوبية وزارة الثقافة، ومع كامل الأسف نسجل غياب التواصل من طرف الجهات المسؤولة بخصوص وضعية المسقاة البرتغالية، إذ كيف يعقل أن يتم إغلاق المسقاة دون إصدار بلاغ في الموضوع لتوضيح أسباب هذا الاغلاق مع تحديد مدته؟”
وأشار السيد ابراهيم القلعي، إلى أن السائح لا يمكنه زيارة المدينة دون زيارة المسقاة البرتغالية، “لأنه لا يمكن أن تزور مراكش دون زيارة جامع الفنا، والأمر نفسه بالنسبة لساحة لهديم بمكناس، أو قصبة آيت بن جدو بورزازات، ولا يمكن زيارة تطوان دون زيارة ساحة المشور”.
واختتم القلعي تصريحه بالقول: “أغتنم هنا الفرصة للحديث عن وضعية الحي البرتغالي، حيث يعاني أصحاب البزارات ودور الضيافة والمقاهي من وضعية كارثية بسبب تراجع مداخليهم بشكل ملحوظ، بل إن من بينهم من أصبح عاجزا عن تغطية المصاريف اليومية لمحله التجاري، فالحي البرتغالي أصبح يعيش وضعا مأساويا مرتبطا بالظروف الأمنية، إذ بات يشتكي السكان من الفوضى العارمة ليلا والتي أصبحت تزعج راحتهم، ومؤخرا قامت جمعية الحي البرتغالي بمجهود جبار، بشراكة مع جمعية دكالة، بوضع مزهريات على كل مداخل وأنحاء الحي ليفاجأ الجميع بتخريبها، مع العلم أن هذه المزهريات أصبحت ملكا للجميع بعد وضعها، وهنا نطالب بتطبيق القانون ولا شيء غيره حماية للحي وساكنته من الفوضى التي أصبح يعرفها”.

لا يمكن أن نذكر اسم مدينة الجديدة، دون أن نذكر معها القلعة البرتغالية أو الملاح كما يحلو لأهل دكالة تسميتها، قلعة كانت فيما مضى قبل سنة 2020 تجذب لها آلاف السياح سنويا على مدار السنة، حيث كانت حافلاتهم تتوقف أمام مداخل القلعة البرتغالية، قبل أن تتراجع هذه الزيارات بعد قرار إغلاق المسقاة البرتغالية (la citerne portugaise) دون سابق إنذار، إصلاح ظلت الساكنة ومعها السياح الراغبين في زيارتها ينتظرون دون فائدة.

وحسب مصادر جيدة الإطلاع، فإن قرار الإغلاق تم اتخاذه لسبب واحد يتعلق بظهور شقوق في سقف هذه المعلمة التاريخية، شقوق كان حري بالساهرين على شؤون تدبيرها المبادرة والإسراع في إصلاحها لما تكتسيه من أهمية بالغة لكل الوافدين على مدينة الجديدة مغاربة وأجانب، إغلاق دام لأزيد من أربع سنوات، وهو ما يوحي بأن مسؤولينا لا تعنيهم السياحة لا من قريب أو بعيد.

ومن خلال مجموعة من القاطنين بالحي البرتغالي الذين ربطت “ومضة نيوز” اتصالها بهم، فقد أقسموا على أن هذه المسقاة أو ما يسمونه “السقاية” ليست بها أية شقوق، في الوقت الذي أكد فيه صاحب محل للبازارات أن مبيعاتهم تضررت بشكل كبير نتيجة عدم قدوم السياح لزيارة الملاح كما كان في السابق والسبب في ذلك يعود بالأساس ألى “السقاية” المغلقة أبوابها.

وأشار المصدر ذاته، على أن كل السياح الذين يتوافدون على زيارة القلعة البرتغالية تجذبهم المسقاة البرتغالية لزيارتها، لكن مع إغلاقها ذاع خبر الإغلاق في المواقع الالكترونية التي تُعنى بالرحلات المنظمة الدولية، وبالتالي أصبح أغلب السياح لا يجدون فائدة من زيارة القلعة البرتغالية بدون رؤية مسقاتها المغلقة.

جدير بالذكر أن المسقاة البرتغالية تم بناؤها سنة 1514، من طرف الأخوين البرتغاليين المهندسين، فارنسيسكو ودييغو دي أرودا حيث تضم المسقاة وأربع قاعات أخرى.

القلعة البرتغالية (الملاح) التي صُنفت سنة 2004 تراثا عالميا من طرف “اليونسكو”، وقبل هذا التاريخ تم تصنيفها تراثا وطنيا بظهيري 3 نونبر 1919، و 15 أبريل 1924، أضحت في حاجة ماسة إلى العناية والاهتمام، إذ لا يمكن تسليمها للإهمال والتخريب.

  • Related Posts

    رئاسة النيابة العامة تدعو في دورية إلى تعميم الإشعار الإلكتروني بقرارات حفظ الشكايات

    أصدر رئيس النيابة العامة، السيد هشام بلاوي، دورية تدعو إلى تعميم الإشعار الإلكتروني بقرارات حفظ الشكايات، وذلك عبر الرسائل النصية القصيرة (SMS) والبريد الإلكتروني، في خطوة جديدة نحو رقمنة منظومة…

    الدكتور هشام عزى: “انتخابي تكليف قبل أن يكون تشريفا”… انطلاقة جديدة لتنظيم التحكيم بالمغرب

    في أول تصريح له عقب انتخابه اليوم السبت 02 ماي الجاري بالرباط، رئيسا للهيئة الوطنية للمحكمين بالمغرب، أكد الدكتور هشام عزى أن الثقة التي حظي بها من طرف الجمع العام…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    رياضة

    اختبارات بدنية تحسم مصير الوحيدي وأكرد قبل مواجهة البرازيل

    اختبارات بدنية تحسم مصير الوحيدي وأكرد قبل مواجهة البرازيل

    الرباط على موعد مع نخبة ألعاب القوى العالمية في محطة العصبة الماسية

    الرباط على موعد مع نخبة ألعاب القوى العالمية في محطة العصبة الماسية

    عقوبات الكلاسيكو بين الرجاء والجيش تمنع جماهير الدفاع الجديدي من التنقل

    عقوبات الكلاسيكو بين الرجاء والجيش تمنع جماهير الدفاع الجديدي من التنقل

    كيف يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي؟

    كيف يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي؟

    الحسيمة.. فتيات دار الفتاة بتارجيست يبلغن نصف نهائي البطولة الوطنية

    الحسيمة.. فتيات دار الفتاة بتارجيست يبلغن نصف نهائي البطولة الوطنية

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الثاني)

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الثاني)
    error: Content is protected !!