بينَ لامِ الجحودِ والساعاتِ الإضافية سألوني

بقلم: الدكتور إبراهيم عروش

سألوني، وأكثر من مرة، حتى من داخل البيت:
“ما علاقتك بالعربية وأنت الطبيب العلمي؟”
وما علاقتك بالنحو والصرف والشعر؟

لكن، بصفتي علميًّا، أقول إن الإعراب أقرب إلى المنطق من ديكارت؛ فعندما تبحث عن ضميرٍ مستتر، فكأنك تبحث عن “x” مجهول أو حرف e محايد كَ واحد في الضرب أو الصفر في في الإضافة في معادلة جبرية أو هندسية في علم الرياضيات.

وكأن العربية مرضٌ مزمن لا يُصاب به إلا الفاشلون في الرياضيات…
أو كأن الأدب تهمةٌ أخلاقية تُخفى عن الجيران مثل ديون “الساعات الإضافية”!

فأجبتهم:
يا قوم، لو كانت المعدلات تصنع الإنسان وحدها، لكانت آلات الحاسوب أكثر إنسانيةً منا، ولكان جدول الضرب أرحم من بعض الآباء والأمهات يوم إعلان النتائج.

هذه رسالةٌ مفتوحة إلى أولياء الأمور…
إلى الذين يحوّلون البيت، مع اقتراب الامتحانات، إلى ثكنةٍ عسكرية:
الأبُ قائدُ الأركان،
والأمُّ وزيرةُ التموين،
والطفلُ مشروعُ دكتوراهٍ يمشي على قدمين، وهو ما يزال يخلط بين المفعول به و”المفعول فيه”.

يا سادة…
لا تبحثوا عن “19 و20” كما يبحث المنقّبون عن الذهب في الصحراء.

فكم من طفلٍ أخذ 20 في الرياضيات…
ثم اكتشف بعد ثلاثين سنة أنه لا يعرف كيف يجمع قلبه مع قلب زوجته،وع أبناءه!

وكم من عبقريٍّ في الفيزياء،
يحفظ قوانين نيوتن،
لكنه يسقط في أول احتكاكٍ اجتماعي، لأن أحدًا لم يعلمه قانون الرحمة داخل البيت.

اتركوا أبناءكم يتنفّسون…
لا تجعلوا الطفل يخرج من المدرسة إلى “الساعات الإضافية”،
ومن الساعات الإضافية إلى الدعم،
ومن الدعم إلى الدعم النفسي،
حتى يصبح الوحيد في العالم الذي يحتاج إلى تقويةٍ في اللعب!

لقد صار بعض الأطفال المغاربة يعرفون أسماء أساتذة الدعم أكثر من أسماء أعمامهم وخالاتهم.

وأصبحت بعض الأسر تؤدي أقساط “الرياضيات” أكثر مما تؤدي أقساط الراحة النفسية.

الأبُ يقترض…
والأمُّ تقتصد…
والطفلُ المسكين يحلم فقط بنصف ساعةٍ يلعب فيها الكرة، دون أن يطارده شبح:
“واش حفظتي الدرس؟”

ثم إذا كبر الطفل، واختار الفن أو الرياضة أو التاريخ أو المسرح أو التصوير…
نظروا إليه وكأنه أعلن انضمامه إلى عصابةٍ دولية!

لكن، ما إن ينجح ويصبح مشهورًا أو مؤثرًا اجتماعيًا أو لاعبًا أو فنانًا…
حتى يتحول الأب نفسه إلى محللٍ رياضيٍّ وفنيٍّ فجأة:
“هذا ولدي… كنت أعرف منذ الصغرمواهبه، و أنه مشروع نجم!”

طبعًا…
بعد أن قضى طفولتَه كلها وهو يسمع:
“الفن ما كيوكلش الخبز.”

يا سادة…
ليست كل العروش تُورَّث،
ولا كل المواهب تُشترى بالساعات الإضافية.

فهناك أشياء يهبها الله،
وأشياء يصنعها الاطمئنان داخل البيت،
وأشياء ينمّيها أبٌ يسمع،
وأمٌّ لا تقارن ابنها بابن الجيران كما تُقارن أثمان الطماطم في السوق.

استمعوا إلى أبنائكم قبل أن يتحولوا إلى ملفاتٍ مدرسية.
اقتربوا منهم قبل أن يصبح الهاتف أحنَّ عليهم منكم.

علّموهم كيف يحبّون الحياة، لا فقط كيف ينجحون في الامتحان.

فالعالم لا يحتاج فقط إلى أصحاب المعدلات العليا…
بل يحتاج أيضًا إلى شاعرٍ يخفف قسوته،
وفنانٍ يلوّن جدرانه،
ورياضيٍّ يفرح شعبًا،
وإنسانٍ بسيط يعرف كيف يضحك دون أن يحسب معدل الضحكة على عشرين.

وكما قال ابن مالك:

«وَكُلُّ لَامٍ قَبْلَهُ مَا كَانَا
أَوْ لَمْ يَكُنْ فَلِلْجُحُودِ بَانَا»

و:
«وَكُلُّ مَا أَتَى بَعْدَ الظَّرْفِ
مُضَافٌ إِلَيْهِ بِدُونِ خُلْفِ»

يا لروعة النحو العربي…
حتى “لام الجحود” عرفت مكانها بدقة، بينما بعض البشر ما يزالون يختلفون:
هل هم لامُ تعليلٍ، أم لامُ تبريرٍ، أم لامُ نفاقٍ سياسيٍّ مزمن!

أما الظرف، فالمسكين في العربية كلُّ ما بعده مضافٌ إليه “بدون خلف”،
وفي واقعنا… كلُّ ما بعد “المنصب” مضافٌ إلى الأقارب والأحباب… بدون خلاف.

ولعلّ ابن مالك حين قال:
«وَكُلُّ ما أتى بعدَ الظرفِ… مضافٌ إليه بدونِ خُلْف»
كان يصف قواعد اللغة، لا قواعد الحياة العربية الحديثة!

ففي زماننا، لم يعد الإنسان مضافًا إلى الظرف فقط، بل صار مضافًا إلى الطوابير، والانتظار، والملفات المؤجلة… دون خلافٍ بين النحاة والواقع.

أما “لام الجحود”، فقد خرجت من باب النحو إلى باب الإدارة والسياسة، حتى أصبحت حرفًا رسميًّا في مخاطبة المواطن:
لا حقَّ، لا موعدَ، لا إصلاحَ… ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، وبعده النحو والصرف

ذكر الله بخير أستاذي في العربية التيجي عندما كنا نكتب نصا كاملا على السبورة فيدعونا إلى شكله وبعد إعرابه فقد كان يخفي الفاعل ويستر المفعول به ويقدم الخبر ويؤخر المبتدأ حكمة فقهتها عندما درست الرياضيات وفهمت أن المفيد أن تبحت عن المعنى لا عن الرقم لأن الرقم x أو Y يحتوي على معنى

وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي

  • Related Posts

    ندبات ال_BCG ضد_السل

    بقلم: الدكتور إبراهيم عروش لم يكن لقاح BCG نسبة إلى عالمين (bacille de calmette et Guerin) في المغرب مجرد إبرةٍ صغيرة، بل كان في زمنٍ ما مشروعًا وطنيًا للتمنيع ولقياس…

    جبران خليل جبران يستغيث من قبره: ارفعوا اسمي عن هذا الشارع!

    يبدو أن روح جبران خليل جبران لم تعد تنعم بالسكينة في مرقدها، بل لعلها تقف كل ليلة على قارعة شارع يحمل اسمه، تتأمله بحزن، ثم تتمتم: “أي ذنب اقترفت لأُخلد…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    رياضة

    عقوبات الكلاسيكو بين الرجاء والجيش تمنع جماهير الدفاع الجديدي من التنقل

    عقوبات الكلاسيكو بين الرجاء والجيش تمنع جماهير الدفاع الجديدي من التنقل

    كيف يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي؟

    كيف يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي؟

    الحسيمة.. فتيات دار الفتاة بتارجيست يبلغن نصف نهائي البطولة الوطنية

    الحسيمة.. فتيات دار الفتاة بتارجيست يبلغن نصف نهائي البطولة الوطنية

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الثاني)

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الثاني)

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الأول)

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الأول)

    دور التأثير النفسي للإعلام في صلب ندوة بالجديدة حول تنمية الرياضة

    دور التأثير النفسي للإعلام في صلب ندوة بالجديدة حول تنمية الرياضة
    error: Content is protected !!