جبران خليل جبران يستغيث من قبره: ارفعوا اسمي عن هذا الشارع!

يبدو أن روح جبران خليل جبران لم تعد تنعم بالسكينة في مرقدها، بل لعلها تقف كل ليلة على قارعة شارع يحمل اسمه، تتأمله بحزن، ثم تتمتم: “أي ذنب اقترفت لأُخلد بهذا الشكل؟”.

جبران، الذي لم يكن مجرد أديب مهجري كما يختصره الكسالى، بل كان فيلسوفا، رساما، نحاتا، وصاحب رؤية جمالية متكاملة، كان يحلم بعالم تتعانق فيه الفنون. لكن يبدو أن مجلسنا الموقر فهم “تعدد الفنون” بطريقة أخرى… فجمع لنا بين فن الحفر، وفن التكسير، وفن تراكم الأزبال، في سيمفونية حضرية لا تليق إلا بمخلفات الحروب.

حين أُطلق اسم جبران على الشارع، ظننا أننا على موعد مع فضاء ثقافي نابض بالجمال، حيث الأرصفة لوحات، والإنارة قصائد، والنظافة أخلاق. لكننا اكتشفنا سريعا أننا أمام تجربة فنية من نوع خاص:
حفر عميقة تجسد فلسفة العبث، أرصفة متكسرة تحاكي هشاشة الوجود، وآليات مركونة لا يعرف إن كانت في سبات تأملي أم في إضراب وجودي مفتوح.

أما الأزبال، فهناك، بكل سخاء، تملأ المشهد، كأنها توقيع فني دائم على لوحة لا تنتهي.

ولو قدر لجبران أن يزور هذا الشارع، لربما أعاد كتابة روايته “النبي”، ولكن هذه المرة بعنوان:
“النبي في شارع الأشغال العمومية”.

في كتابه “النبي”، تحدث جبران عن الحب والجمال والحرية والكرامة… أما شارعنا، فيتحدث عن شيء آخر تماما: عن القدرة العجيبة على تحويل الاسم العظيم إلى مفارقة ساخرة.

هنا، لا شيء يشبه جبران، لا في الفكرة ولا في الروح ولا في الجمال.
كل ما يشبهه هو اللافتة… تلك التي تحمل اسمه فقط، وكأنها شاهد قبر آخر، لكن هذه المرة لذوقنا العام.

ويبقى السؤال معلقا بين حفرة وأخرى:
هل من أطلق اسم جبران على هذا الشارع كان يعرفه حقا؟
أم أن الأمر كان مجرد زلة ثقافية… أو نكتة إدارية ثقيلة؟

في كل الأحوال، قد يكون من حق جبران، وفي غياب الردع، ولو متأخرا، أن يرفع دعوى أدبية من العالم الآخر، يطالب فيها بشيء بسيط جدا:
“ارفعوا اسمي… واتركوا الشارع لحاله.”

  • Related Posts

    بينَ لامِ الجحودِ والساعاتِ الإضافية سألوني

    بقلم: الدكتور إبراهيم عروش سألوني، وأكثر من مرة، حتى من داخل البيت:“ما علاقتك بالعربية وأنت الطبيب العلمي؟”وما علاقتك بالنحو والصرف والشعر؟ لكن، بصفتي علميًّا، أقول إن الإعراب أقرب إلى المنطق…

    ندبات ال_BCG ضد_السل

    بقلم: الدكتور إبراهيم عروش لم يكن لقاح BCG نسبة إلى عالمين (bacille de calmette et Guerin) في المغرب مجرد إبرةٍ صغيرة، بل كان في زمنٍ ما مشروعًا وطنيًا للتمنيع ولقياس…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    رياضة

    اختبارات بدنية تحسم مصير الوحيدي وأكرد قبل مواجهة البرازيل

    اختبارات بدنية تحسم مصير الوحيدي وأكرد قبل مواجهة البرازيل

    الرباط على موعد مع نخبة ألعاب القوى العالمية في محطة العصبة الماسية

    الرباط على موعد مع نخبة ألعاب القوى العالمية في محطة العصبة الماسية

    عقوبات الكلاسيكو بين الرجاء والجيش تمنع جماهير الدفاع الجديدي من التنقل

    عقوبات الكلاسيكو بين الرجاء والجيش تمنع جماهير الدفاع الجديدي من التنقل

    كيف يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي؟

    كيف يسهم الإعلام الرياضي المحلي في بناء الوعي؟

    الحسيمة.. فتيات دار الفتاة بتارجيست يبلغن نصف نهائي البطولة الوطنية

    الحسيمة.. فتيات دار الفتاة بتارجيست يبلغن نصف نهائي البطولة الوطنية

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الثاني)

    الإعلام الرياضي المحلي وأدواره في بناء الوعي الرياضي وترسيخ القيم والأخلاق (الجزء الثاني)
    error: Content is protected !!