في المدن التي تحترم نفسها، ليست المقابر مجرد فضاءات للدفن، بل عنوان أخلاقي لمدى تقديرها للإنسان، في الجديدة، تكشف مقبرة الرحمة عن حقيقة موجعة: هذه المدينة تهمل أبناءها حتى في اللحظة التي يحتاجون فيها فقط إلى موضع هادئ يليق بنهاية المشوار.
امتلاء المقبرة، تآكل بنيتها، غياب شروط التنظيم والصيانة… كلها مظاهر لا تشير فقط إلى ضعف تدبير مرفق عمومي، بل إلى خلل أعمق في فهم معنى الكرامة، فحين يضطر المواطن للبحث عن مربع دفن وسط فوضى المسالك والأعشاب، وعندما تترك العائلات تواجه هذا الارتباك وحدها، يصبح السؤال أكبر من مجرد خدمات جماعية: إنه سؤال احترام الإنسان، حيًّا وميتا.
مقبرة الرحمة اليوم ليست قضية تقنية ولا ورشا صغيرا مؤجلا؛ إنها مرآة لسياسات لم تتعامل مع هذا الفضاء بما يستحقه من حساسية ورُقي، والأدهى أن المشهد يتكرر في أكثر من نقطة، وكأن الأمر قدر محتوم لا يستوجب مساءلة أو مراجعة.
إن مسؤولية المجلس الجماعي واضحة، ومسؤولية السلطات الترابية أوضح، في التخطيط المسبق، فتح فضاءات بديلة، صيانة المقبرة، وتوفير حد أدنى من شروط التهيئة والاحترام، لا يمكن لمدينة تطمح إلى التنمية وأن تكون واجهتها الأخيرة بهذا المنظر القاسي.
لقد علّمنا التاريخ أن الأمم التي تكرّم موتاها، تعرف جيدا كيف تحفظ حياة أبنائها، أما حين تترك المقابر فريسة للإهمال، فالرسالة تقرأ بوضوح: الكرامة ليست أولوية، وواجب الصحافة اليوم أن تذكر بصوت عال:
كرامة الجديديين لا تنتهي عند باب الحياة… بل تبدأ من مقابرهم.









