في تصريح لافت خلال الندوة الوطنية بمجلس المستشارين، لم يكتفَ وزير الصناعة والتجارة رياض مزور بلغة المجاملة أو العموميات، بل وضع إصبعه على الجرح حين قال: “تحقيق التحول البنيوي في الاقتصاد الوطني رهين بقدرتنا على تعبئة الاستثمار المنتج في الجهات، وتعزيز الاندماج الترابي عبر حكامة قائمة على القرب والنجاعة.”
في بلد يعاني من تركز الاستثمار والفرص في أقطاب محدودة، فإن ما قاله الوزير لا يعتبر مجرد توصية تقنية، بل هو موقف سياسي واضح يدعو إلى كسر مركزية القرار والفرصة، وإعادة الاعتبار للجهات كفاعل اقتصادي كامل، لا كمجال للتنزيل فقط.
ما الذي يمنع، مثلاً، جهة مثل آسفي أو درعة تافيلالت من أن تكون قطبا صناعيًا واعدا؟ الجواب في كلمتين: غياب الحكامة الترابية، إذ ليس المقصود هنا ضعف المنتخبين فقط، بل أيضا ضعف التنسيق بين الإدارة المركزية والمجالس الجهوية، غياب تفويض حقيقي للسلطات، وعدم إتاحة الموارد والمرونة الكافية لتفعيل السياسات الصناعية محليا.
وحين يربط وزير الصناعة بين التحول البنيوي وحكامة القرب، فهو عمليا يطالب بمرحلة جديدة: أن يصبح لكل جهة مقاربتها الخاصة في جذب الاستثمار، في دعم الكفاءات، وفي خلق الشغل، وفق خصوصيتها الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية.
هذا التصور إن طبق، سينقل المغرب من منطق “البرامج الجاهزة والممركزة” إلى منطق “المجال المنتج”، حيث تلعب كل جهة دورها في التنمية الوطنية، لا باعتبارها تابعا، بل فاعلا شريكا.
كلام الوزير يجب ألا يمر مرور الكرام، بل ينبغي أن يُفتح حوله نقاش وطني حقيقي:
فهل نحن مستعدون، سياسيا وإداريا، للتخلي عن جزء من التحكم المركزي لصالح الجهات؟
وهل نملك النخب الترابية الكفؤة لتدبير هذه المرحلة؟
وهل ستملك الحكومة الشجاعة لمرافقة هذا التحول قانونيا ومؤسساتيا؟
إن التحول البنيوي لا يُصنع في المكاتب العليا فقط، بل في القدرة على بناء ثقة متبادلة بين المركز والجهات، وما قاله الوزير رياض مزور قد يكون الشرارة الأولى إن أحسنا التقاطها.









