في غرف الأخبار، حيث تصنع الحكايات وتتقاطع زوايا الرؤية، يبرز سؤال قديم لكنه يزداد إلحاحا: هل ينصف الإعلام المغربي المرأة في حضوره، لغته، وصورته؟
ورغم التحولات التي عرفها المشهد الإعلامي، لا تزال مسألة النوع الاجتماعي تختبر صدقية المؤسسات الصحفية وجرأتها على تجاوز الصور الجاهزة التي رافقت الإعلام لعقود.

هذا التحقيق يستعرض شهادات ثلاث شخصيات من قلب المهنة: أكاديمية متخصصة، صحفي استقصائي، ومسؤول إداري داخل مؤسسة إعلامية. شهادات تضيء زوايا مختلفة من سؤال واحد: كيف نصنع إعلاما عادلا؟

الدكتورة نادية لمهيدي… قراءة تحليلية في حضور المرأة داخل غرف الأخبار

تؤكد الدكتورة نادية لمهيدي، وهي واحدة من أبرز الباحثات في مجال النوع الاجتماعي والإعلام، أن حضور المرأة داخل المشهد الإعلامي المغربي ما يزال هشّاً وغير متكافئ، رغم ما تحقق من تقدم نسبي. وتشدد على أن الإشكال ليس في غياب الكفاءات النسائية، بل في غياب إرادة تحريرية ومؤسساتية تمنح للمرأة المكانة التي تستحقها داخل الإنتاج الإعلامي وفي فضاءات القرار.

وتستند الدكتورة لمهيدي إلى إحدى الدراسات التي أنجزتها حول مشاركة النساء داخل البرامج الحوارية، موضّحةً أن حضور النساء كمحللات أو فاعلات خبيرات ظل محدوداً مقارنة بالرجال. فعلى مستوى أحد أشهر البرامج الحوارية، “مباشرة معكم”، بلغت مشاركة النساء 17 مشاركة فقط من أصل 57 خلال سنة واحدة، رغم أن العديد من القضايا التي نوقشت كانت تحتاج زوايا نظر متنوعة. وتفسر ذلك بما سمّته “الاصطفاف الذكوري” للأحزاب والمؤسسات، حيث تُفضّل غالبية هذه الهيئات ترشيح رجال عند تلقي دعوة إعلامية، ما يجعل النساء غائبات عن الواجهة وعن النقاش العمومي، رغم حضورهن الجيد في الروبورتاجات والتقارير المصورة.

وتضيف أن هذا الخلل في التمثيل لا يرتبط فقط بالبرامج التلفزية، بل يمتد إلى غرف الأخبار في الصحافة المكتوبة والرقمية، حيث تُسند للصحافيات غالباً ملفات اجتماعية أو خفيفة، في حين يستحوذ الصحافيون الذكور على الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية. وتعتبر أن هذا التقسيم غير المعلن للأدوار يعيد إنتاج الصور النمطية داخل المحتوى الإعلامي ويمنع بروز قيادات نسائية داخل التحرير.

وترى الدكتورة لمهيدي أن جزءاً من المسؤولية تتحمله أيضاً النساء أنفسهن، بسبب ضعف مبادرات “التسويق الذاتي” لكفاءاتهن ومجالات خبرتهن، غير أنها تعود لتشدّد على أن المشكل في عمقه بنيوي وليس فردياً، وأن تغييب النساء عن النقاش العمومي هو نتيجة تراكمات سياسية وثقافية ومؤسساتية.

وتختم بأن إعلاماً منصفاً للنوع الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر ثلاث مستويات متوازية:

قرار مؤسساتي واضح من غرف الأخبار بإدراج النساء في مواقع القرار ومواقع التحليل.

سياسة تحريرية شفافة تُلزم بالتنوع في المصادر والوجوه والموضوعات.

مراجعة نقدية مستمرة للمحتوى تكشف الاختلالات قبل أن تتكرر.
وتعتبر أن الوصول إلى إعلام منصف ليس مطلباً فئوياً، بل شرطاً لمهنية حقيقية تعكس المجتمع في تنوعه، وتحرّر الخبر من أي تحيز مبني على النوع.

المصطفى إسعد… الإنصاف يبدأ من الممارسة اليومية داخل غرف الأخبار

من زاوية مهنية، يقدم المصطفى إسعد، مدير نشر جريدة المغرب الآن وعضو الصحافة الاستقصائية، رؤية عملية لما يجب أن يكون عليه الإعلام المنصف لقضايا النوع. ويؤكد أن الإنصاف الحقيقي يتحقق عندما ينتقل الإعلام من “النوايا” إلى السياسات التحريرية الواضحة.

ويشرح إسعد أن المعالجة المنصفة تبدأ من الأسئلة التي يطرحها الصحفي:
من يتحدث؟ من يتم إقصاؤه؟ هل يقدم الخبر صورة عادلة أم يعيد إنتاج نمطية؟
ويشدد على ضرورة تنويع الخبراء والمصادر، خصوصا في المجالات التي يهيمن عليها الرجال مثل السياسة والاقتصاد والأمن، معتبرا ذلك “حقا مهنيا” وليس مجرد محاولة تزيينية.

كما يحذر من لغة التمييز التي قد تتسلل دون قصد إلى النصوص والعناوين والصور، داعيا إلى تجنب الاختزال أو التشييء، وإبراز كفاءة النساء في الملفات الكبرى.

ويرى أن إدماج قضايا النساء في التغطيات اليومية وليسض فقط في المناسبات الرمزية—هو أكبر اختبار لصدق المؤسسات الإعلامية.

وعلى مستوى بنية المؤسسات، يحدد إسعد خمسة شروط لإنصاف حقيقي ينطلق من تكافؤ الفرص في التوظيف والترقي، توزيع عادل للمهام، سياسات ضد التحرش والتمييز، تكوين مستمر، وآليات تقييم ذاتي دورية، معتبرا أن “الإعلام المنصف ليس إعلاما منحازا للنساء أو للرجال… بل إعلام منصف للحقيقة”.

عبدالإله بورزيق… حين يصبح الإنصاف خيارا مؤسسيا

من داخل تجربة ومضة نيوز، يقدم مديرها العام والكاتب العام لنقابة الصحافيين بإقليم الجديدة، الأستاذ عبدالإله بورزيق، مثالا عمليا على كيفية ترجمة الإنصاف إلى قرارات داخل المؤسسة. ويقول إن الجريدة كان بإمكانها اتباع “النمط السائد” الذي يحصر النساء في أدوار ثانوية، لكنها اختارت مسارا مختلفا.

فقد تم تعيين الأستاذة رجاء البحثر مديرة للنشر، ومنحت صلاحيات كاملة ليس لاعتبارات رمزية، بل لكفاءتها المهنية وسلامتها اللغوية، إضافة إلى قدرتها على تقديم تصور متكامل للمحتوى. وكانت وراء إطلاق برنامج “مميزات” الذي استضاف نساء مبدعات في الأدب والفن والرياضة وغيرها، في خطوة ترجم فيها الفريق التحريري قناعة واضحة ترتكز أساسا على أن إبراز الكفاءات النسائية هو واجب مهني.

ويؤكد بورزيق أن التجربة أظهرت أن وجود المرأة في مواقع القرار التحريري ينعكس مباشرة على تنوع المحتوى، وعلى ميل أكبر للبحث عن الأصوات النسائية المؤثرة التي غالبا ما تبقى خارج دائرة الضوء.

الإعلام المنصف ليس شعارا يرفع

تتلاقى شهادات الخبيرة والصحفي والممارس الإداري عند نقطة واحدة تؤكد على أن الإعلام المنصف ليس شعارا يرفع، وإنما هو خيار مهني يتطلب رؤية، وسياسات، وشجاعة في الممارسة اليومية.

فحين تفتح أبواب البلاتوهات والصفحات الأولى أمام جميع الكفاءات دون تمييز، وحين تصبح لغة الإعلام خالية من التنميط، وحين تتقاسم النساء والرجال قيادة غرف الأخبار…
عندها فقط يمكن القول إن الإعلام المغربي بدأ يكتب مهنته من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!