الجديدة: بسمة بورزيق

تعد “كرمة بوشريط” واحدة من أبرز المعالم الرمزية بمدينة الجديدة، بل وبمنطقة دكالة ككل، حيث يربو عمرها اليوم على 110 سنوات، لتظل شاهدة على تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية طبعت تاريخ المدينة وذاكرتها الجماعية.

وتشير روايات شفوية متواترة لدى عدد من كبار السن من أبناء المدينة إلى أن هذه الشجرة التي يسميها الجديديون “الكرمة”، غرست بعد فرض الحماية الفرنسية سنة 1912، لتبدأ كعنصر طبيعي بسيط قبل أن تتحول تدريجيا إلى فضاء عمومي نابض بالحياة.

ومع مرور الزمن، أصبحت “كرمة بوشريط” فضاء متعدد الوظائف، احتضن في أربعينات القرن الماضي سوقا يوميا لبيع الجراد وشرائه، خلال فترة عرفت فيها البلاد اجتياح أسراب الجراد، حيث كان الإقبال كبيرا على هذا المنتوج الذي كان يُعتبر، وفق روايات محلية، غنيا بالبروتينات والمعادن.

وفي السياق ذاته، تحولت المنطقة المحيطة بالشجرة إلى سوق يومي لبيع خضر الضواحي و”السواني”، في مشهد يعكس بساطة الحياة الحضرية في تلك الفترة وحاجيات سكان مدينة كانت ما تزال في طور التوسع.

ومع تطور المدينة، حافظت “الكرمة” على حضورها الاجتماعي، لتصبح صباحا فضاء يلتقي فيه عمال “الموقف” والحرفيون من صباغين وبنائين ورصاصين وغيرهم، يعرضون خدماتهم على السكان، في صورة تعكس اقتصادا محليا بسيطا لكنه نشط.

أما في المساء، فقد تحولت “الكرمة” قبل نحو ثلاثين سنة إلى فضاء شعبي شبيه بفضاءات الحلقة، حيث احتضنت أسماء بارزة في فنون الفرجة الشعبية بدكالة، من بينهم الطاهر زعطوط وخليفة والغازي ونعينيعة والصاروخ وغيرهم، في مشهد كان يعكس نبضا ثقافيا حيا داخل المدينة.

وتحفظ الذاكرة الشعبية أيضا واقعة طريفة ارتبطت بهذا الفضاء، حين كان أحد “الحلايقية” يقدم عرضا خلال شهر رمضان، مدعيا قدرته على إخراج “جن” من صندوق خشبي، قبل أن يفاجأ الحضور بصوت صادر من أعلى الشجرة، ما أثار حالة من الذعر والفرار الجماعي، وهي الحكاية التي ساهمت لاحقا في ترسيخ الاعتقاد الشعبي بأن “الكرمة” مسكونة ولا يستحب الاقتراب منها.

وبين الذاكرة الشعبية والحكايات المتوارثة والوظائف الاجتماعية المتعددة، تظل “كرمة بوشريط” أكثر من مجرد شجرة، بل علامة حضرية تختزل جزءا من تاريخ المدينة وتحولاتها عبر أكثر من قرن من الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!