ليس من السهل أن يتابع المتتبع للشأن الروحي ما يجري داخل بعض الزوايا، وهو يرى الخلاف يتسلل إلى فضاءات كان يفترض أن تبقى عنوانا للوحدة والصفاء، فحين يتعلق الأمر بالزاوية القادرية البودشيشية، فإن السؤال لا يكون عاديا، بل يتجاوز الأشخاص إلى جوهر الطريق ذاته: أين موقع الأخوة في زمن الخلاف؟
القرآن الكريم حسم الأمر بوضوح لا يقبل التأويل: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»، وجعل الإصلاح بين الإخوة واجبا لا خيارا. وإذا كان هذا التوجيه الإلهي عاما، فإنه داخل البيوت الروحية يصبح أكثر إلحاحا، لأن هذه الفضاءات بنيت أصلا على قيم المحبة والتزكية والتجرد من الأهواء.
لقد ترك الشيخ المربي سيدي حمزة بن العباس، رحمه الله، وصايا واضحة لا لبس فيها، تقوم على تعظيم الأخ، وستر العيوب، وتجنب الفتنة، والتحذير من كل ما من شأنه أن يزرع الفرقة بين المريدين، ولم تكن تلك الوصايا مجرد كلمات عابرة، وإنما خلاصة تجربة روحية عميقة، تدرك أن أخطر ما يهدد الطريق ليس ضعف الذكر، بل ضعف القلوب حين تنحرف عن معنى الصفاء.
غير أن ما يلاحظ اليوم، في خضم بعض الخلافات، هو ابتعاد عن هذا الجوهر، حيث يتحول الاختلاف—الذي يمكن أن يكون صحيا—إلى نزاع مفتوح، يغذي الانقسام بدل أن يدار بالحكمة والموعظة الحسنة.
وهنا تكمن الإشكالية: هل نحن أمام اختلاف في الرأي، أم أمام أزمة في الالتزام بروح الطريق؟
إن المريد، في فلسفة التصوف، لا يقاس فقط بكثرة ذكره، بل بقدرته على تهذيب نفسه، وضبط لسانه، وحفظ قلبه من كل ما يفسد علاقته بإخوانه فكيف يستقيم السير إلى الله، في ظل خصومة تضعف معنى الأخوة، وتفرغ الطريق من محتواه الروحي؟
ولا يقف الأمر عند حدود الخلاف في حد ذاته، بل يتجاوزه إلى ما هو أخطر، إذ إن مثل هذه الانقسامات تفتح المجال أمام ضعاف النفوس، ممن يجدون في الزاوية طريقا سهلا للاغتناء أو التمركز أو التقرب من مراكز القرار، كما تغذي أصحاب المصالح الضيقة الذين يعيشون على التوتر والانقسام بدل السعي إلى الإصلاح، وهنا يتحول الخلاف من شأن داخلي قابل للاحتواء، إلى مدخل لاختراق القيم وتفريغها من مضمونها.
الأدهى من ذلك، أن استمرار الخلاف دون مبادرة للإصلاح، يفتح الباب لتأويلات خارجية، ويفقد الزاوية إشعاعها الروحي الذي راكمته عبر عقود، فالمجتمع لا يرى التفاصيل، بل يرى الصورة باعتبارها بيتا روحيا يفترض فيه أن يكون نموذجا، فإذا به يعكس حالة من التوتر.
اليوم، تبقى العودة إلى وصايا الشيخ سيدي حمزة، ضرورة وجودية للحفاظ على تماسك الطريق. فتعظيم الأخ، وستر الزلة، وتغليب الحكمة، ليست شعارات، بل شروط للاستمرار. ومن هنا، فإن مسؤولية الإصلاح لا تقع على طرف دون آخر، بل هي مسؤولية جماعية، تبدأ من الوعي بأن الخلاف، مهما كان، لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة.
قد يكون الاختلاف أمرا واقعا، لكن تدبيره هو ما يصنع الفارق. فإما أن يكون بابا للنصح والنضج، أو مدخلا للتفكك.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقا:
هل نرتقي إلى مستوى الوصايا… أم نترك الخلاف يختزل مسارا من التربية والذكر في لحظة انقسام؟
