ما يجري اليوم بين وزارة العدل وهيئات المحامين لم يعد خلافا مهنيا عاظيا، بل عبث مؤسسي كامل الأركان، يدفع ثمنه المواطن بينما يتبادل الطرفان لغة التعنت وكأن الزمن متوقف، وكأن مصالح الناس ليست سوى تفاصيل إضافية يمكن تعليقها إلى أجل غير مسمى.

وزير العدل متشبث بمشروع قانون يرفض حتى مناقشة إمكانية سحبه، وكأنه حقيقة مطلقة لا يأتيها الباطل.ط، والمحامون بالمقابل اختاروا الإضراب المفتوح، وكأن العدالة يمكنها أن تصمد بلا محامين، أو كأن آلاف المتقاضين ليسوا جزءا من هذه البلاد. كلا الطرفين يتصرفان كأنهما في معركة كسر عظم، لا في قطاع حيوي يفترض أن يشتغل لحظة بلحظة.

والنتيجة؟
مواطن بلا حقوق، ومسجون بلا محاكمة، ومعتقل حصل على البراءة ولا يزال خلف القضبان لأن لا أحد موجود لتفعيل الإجراءات.
هل يحتاج الأمر إلى مزيد من التفسير؟ أم أننا صرنا نعتبر هذا الوضع “عاديا” بحكم التكرار؟

العدالة اليوم رهينة صراع إرادات، لا صراع أفكار، والبلاد تدفع دفعا نحو نفق مظلم لأن طرفا يرى التراجع ضعفا، وآخر يرى في استسلامه وعدم قدرته الدفاع عن نفسه هزيمة، ويرى أن من لا يمكنه الدفاع عن نفسه لا ينبغي له الدفاع عن المظلومين، وهذا أخطر ما يمكن أن يقع في قطاع العدالة: أن يتحول إلى ملف شخصي بدل أن يبقى قضية مؤسسات.

لا أحد يعارض إصلاح القطاع، بل الكل يعترف بأن الإصلاح ضرورة وطنية، لكن الإصلاح الذي يولد تحت الضغط، دون تشاور، ودون إشراك، ودون احترام لنبض الشارع ومصالح المتقاضين… ليس إصلاحا، بل وصفة جاهزة لمزيد من الأزمات.

إن هيبة العدالة ليست في صرامة وزير أو تنعنته، ولا في صمود هيئة.
هيبتها الحقيقية في استمرارية خدماتها وقدرتها على حماية الضعفاء قبل الأقوياء.

وما نشهده اليوم لا يرقى إلى مستوى دولة يفترض أنها تسعى لترسيخ دولة الحق والقانون.
فإذا استمر هذا العناد المتبادل… فإن ميزان العدالة سيسقط على رؤوس الجميع، ولن ينجو منه أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!