في لحظة تتقاطع فيها رهافة الثقافة مع صرامة العلم، يتهيأ طبق الكسكس المغربي ليغادر دفء الموائد الأرضية نحو برودة الفضاء السحيق، بعد أن أعلنت وكالة “ناسا” إدراجه ضمن قائمة وجبات رواد مهمة “أرتيميس 2”. هناك، حيث الصمت كوني والفراغ بلا حدود، سيحمل هذا الطبق العريق شيئا من روح الأرض، ودفئها الإنساني، إلى مدار القمر.
ليس الأمر مجرد اختيار غذائي عابر، بل هو اعتراف ضمني بأن الإنسان لا يعيش بالمعادلات وحدها، وأن رحلات الفضاء، مهما بلغت دقتها التكنولوجية، تظل بحاجة إلى لمسة إنسانية تخفف وطأة العزلة وترمّم حنين الرواد إلى عالمهم الأول.
في هذا السياق، يتحول الكسكس من وجبة تقليدية إلى رسالة وجدانية، تختصر ذاكرة جماعية وتعيد تشكيلها في بيئة لا تعرف الجذور.
الكسكس، بحبيباته المتناغمة وألوانه الزاهية، ليس مجرد مزيج من القمح والخضروات والتوابل، بل هو طقس اجتماعي وثقافي، ارتبط عبر قرون بلحظات اللقاء والدفء العائلي. واليوم، يعاد تقديمه في سياق مختلف تماما، حيث يصبح جزءا من تجربة علمية دقيقة، خاضعة لمعايير صارمة من حيث الحفظ والسلامة وسهولة الاستهلاك.
ويعكس هذا الاختيار وعيا متقدما لدى القائمين على برامج الفضاء، بأهمية البعد النفسي في حياة الرواد. فبين جدران المركبات الضيقة، وعلى امتداد رحلات طويلة يطغى عليها الروتين، يمكن لوجبة مألوفة أن تحدث فرقا عميقا، أن تستدعي ذكريات بعيدة، أو تمنح شعورا عابرا بالطمأنينة.
كما يحمل إدراج الكسكس دلالة رمزية أوسع، تتمثل في انفتاح الفضاء على تنوع الثقافات الإنسانية. فبينما تتجه البشرية نحو آفاق جديدة، يبدو أن تراثها لا يترك خلفها، بل يعاد اكتشافه وتثمينه في سياقات غير مسبوقة.
هكذا، لا يسافر رواد “أرتيميس 2” وحدهم إلى القمر، بل ترافقهم أيضا حكايات الأرض، بنكهاتها وأصواتها وحنينها.
وفي قلب هذه الرحلة، يثبت الكسكس المغربي أن أبسط التفاصيل قد تحمل أعمق المعاني، وأن الطريق إلى النجوم قد يبدأ، أحيانا، من طبق تقليدي على مائدة عائلية.
