مأساة الجرف الأصفر… حين يتحول الإهمال إلى قاتل صامت

لم يعد حادث سقوط سيارة من منحدر صخري بسواحل الجرف الأصفر بإقليم الجديدة مجرد “واقعة عرضية” يمكن المرور عليها كخبر عابر منقول ومتداول عبر العديد من المواقع والصفحات المحلية التي هرعت إلى مكان الحادث لتغطية الخبر، وإنما عنوان صارخ لفشل متكرر في حماية الأرواح في فضاءات يفترض أن تكون آمنة أو على الأقل مؤمّنة بالحد الأدنى من شروط السلامة.

في مشهد مأساوي هز الرأي العام، انزلقت سيارة عائلية كانت تقل زوجين وطفلهما نحو البحر من أعلى منحدر خطير، لتنتهي الرحلة بفاجعة إنسانية ثقيلة، جثة الزوجة تم انتشالها، فيما لا يزال الزوج والطفل في عداد المفقودين، وسط عمليات بحث معقدة تعرقلها ظروف البحر القاسية.

ورغم أن التحقيقات الرسمية لا تزال جارية تحت إشراف النيابة العامة، فإن ملامح الصورة الأولية تفرض أسئلة أكبر من تفاصيل الحادث نفسه: كيف يمكن لموقع مكشوف بهذا الشكل، مطل على منحدرات حادة نحو البحر، أن يظل دون حواجز وقائية أو تشوير واضح يحدد الخطر؟ وكيف تتحول مناطق تستقطب الزوار إلى نقاط تهديد للحياة بدل أن تكون فضاءات للراحة والاستجمام؟

لا يمكن إنصاف الحقيقة إذا تم اختزالها في وقوع الفاجعة نتيجة خطأ محتمل لسائق أو ظرف لحظي فقد فيه السيطرة. فحتى في أسوأ السيناريوهات البشرية، يظل دور البنية التحتية الحامية هو الحد من نتائج الخطأ، لا تركه يتحول إلى كارثة قاتلة، أمام غياب الحواجز، وانعدام علامات التحذير، وضعف التأمين في مواقع معروفة بخطورتها، كلها عناصر ترفع المسؤولية إلى مستوى أوسع من الفعل الفردي.

والمسؤولية هنا تتوزع بين أكثر من طرف، بين سلوك السائق الذي سيحدده التحقيق، لكن أيضا منظومة تدبير المجال الساحلي التي تبدو، وفق المعطيات الأولية، عاجزة عن مواكبة مخاطر معروفة ومتكررة، والأخطر من ذلك أن تكرار السيناريو في أماكن مشابهة يطرح سؤالا مزمنا حول جدوى التدابير الوقائية إن ظلت حبيسة ردود الفعل بعد وقوع الكوارث.

في النهاية، فاجعة الجرف الأصفر ليلة أمس الخميس،لا تكشف عن حادث معزول فقط، بل عن خلل بنيوي في مقاربة السلامة العامة، وبين صخور مكشوفة وأمواج لا ترحم، تضيع أرواح كان يمكن إنقاذها لو أن الإهمال لم يسبق الجميع إلى المكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!