لم يعد النقاش حول أسعار المحروقات في المغرب مجرد جدل تقني يهم الفاعلين في القطاع، بل تحول إلى قضية رأي عام تعكس توترا قائما بين منطق السوق ومتطلبات الحماية الاجتماعية، فبين الدعوة إلى تحرير أكبر للأسعار، والتخوف من انعكاسات ذلك على القدرة الشرائية، يظل السؤال معلقا: أين يكمن التوازن؟
من الناحية النظرية، يبدو منح الشركات حرية أوسع في تحديد الأسعار خطوة منسجمة مع قواعد المنافسة، غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع سوق لم تستكمل فيه بعد شروط التنافس الكامل، سواء من حيث الشفافية أو من حيث تكافؤ الفرص بين الفاعلين، وهو ما يجعل أي انتقال غير محسوب نحو مزيد من التحرير محفوفا بالمخاطر.
في هذا السياق، يندرج تصريح رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، الذي أكد، في حديثه لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن تغيير آلية التسعير يظل خيارا مطروحا، لكن دون استعجال، بالنظر إلى استمرار تقلبات السوق الدولية.
هذا الموقف يعكس قدرا من الحذر المؤسساتي، ويؤكد أن الإصلاح، وإن كان ضروريا، لا يمكن أن يتم بمعزل عن قراءة دقيقة للظرفية الاقتصادية.
غير أن هذا الحذر، على وجاهته، لا يلغي الحاجة إلى طرح أسئلة جوهرية: هل السوق المغربي مهيأ فعلا لتحمل تبعات تسعير أكثر مرونة؟ وهل تتوفر آليات كافية لضبط المنافسة ومنع أي انزلاق نحو ممارسات قد تضر بالمستهلك؟ ثم ما حدود دور الدولة في سوق حيوي يمس بشكل مباشر الحياة اليومية للمواطنين؟
في المقابل، لا يمكن إنكار أن النظام الحالي بدوره يواجه انتقادات متزايدة، خاصة فيما يتعلق بضعف وضوح بنية الأسعار وهوامش الربح، وهو ما يجعل من الإصلاح ضرورة، لكن إصلاحا متدرجا يوازن بين متطلبات الانفتاح الاقتصادي وضمانات العدالة الاجتماعية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين تحرير الأسعار أو الإبقاء على آليات الضبط، بل في صياغة نموذج هجين قادر على تحقيق التوازن بين الاثنين: سوق أكثر دينامية وشفافية، دون أن يتحول ذلك إلى عبء إضافي على المستهلك.
في النهاية، قد يكون التريث الذي يعبر عنه صناع القرار اليوم خيارا عقلانيا، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تأجيل مفتوح. فإصلاح سوق المحروقات لم يعد خيارا، وإنما ضرورة ملحة، شريطة أن يتم بمنطق يضع مصلحة المواطن في صلب المعادلة، لا في هامشها.









