عقدت هيئات المحامين اليوم الثلاثاء على الساعة الرابعة بعد الزوال بالرباط، ندوة صحافية كانت بمثابة إعلان صريح عن وصول التوتر بين المحامين ووزارة العدل إلى حد غير مسبوق. فالمعطيات التي قدمها رئيس جمعية هيئات المحامين، النقيب الحسين الزياني، تكشف أن ما يجري اليوم يتجاوز نقاشا قانونيا حول مشروع معروض على البرلمان، ليمس جوهر التوازنات التي تقوم عليها دولة الحق والقانون.
ويصر المحامون على أن المشروع “لا يعنيهم” لأنه لم يبن على أساس تشاركي، ولأنه يناقض – بحسبهم – المبادئ الدولية التي تنظم مهنة المحاماة، من المعايير الأممية إلى الدستور المغربي. لذلك جاء موقفهم في الندوة واضحا: لا يمكن أن يقبل الدفاع بنص تشريعي صيغ خارج سياق التشاور الحقيقي، ولا بروح تشعر الجسم المهني بأن دوره مجرد ملحق تابع للوزارة.
تجميد الجلسات كان رسالة قوية، وقد دفع ثمنه المتقاضون أولا، ورغم أن البعض حاول تحميل المحامين مسؤولية تعطيل المحاكم، إلا أن جوهر الأزمة يعود إلى مشروع لم يصغ بالطريقة الصحيحة، ولم يستحضر حساسية المهنة ولا رمزية الدفاع باعتباره جزءا من ضمانات المحاكمة العادلة، إذ أعلن النقيب الزياني بوضوح: ما يجري اليوم هو “معركة سياسية”، وليس مجرد اختلاف مهني على بنود تقنية.
ومع ذلك، يظل السؤال الأبرز الذي تم طرحه خلال هذه الندوة، وربما الأكثر إلحاحا: ما أسباب النزول؟ ولماذا اختارت وزارة العدل أن تطرح هذا المشروع في هذا التوقيت تحديدا، وبصيغة تدرك تماما أنها ستشعل بها غضب الهيئات؟ وما الذي يدفع إلى الإصرار على تمريره رغم الرفض الواسع الذي عبرت عنه جميع الهيئات عبر المغرب؟
هذه الأسئلة تظل معلقة، لكنها تشير إلى أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يبنى على فرض الأمر الواقع، فالتجارب السابقة علمتنا أن أي محاولة لإعادة تشكيل بنية العدالة من خارج المكونات الأساسية المعنية بها، لا تؤدي إلا إلى التصعيد وإلى فقدان الثقة في المؤسسات.
النقاش اليوم حول هذا المشروع يتجاوز النصوص والمقتضيات القانونية، ليضع الدولة أمام امتحان احترام المعايير الديمقراطية في التشريع، فمهنة المحاماة ركيزة أساسية في منظومة العدالة، ومحوريا في حماية الحقوق والحريات.
إن إصلاح العدالة لا يتم بالانفراد، أو صراع الإرادات، وإنما بإعادة بناء جسر الثقة عبر حوار حقيقي ينصت لجميع الأطراف. أما المشاريع التي تولد خارج هذا المسار، فلن يكون مصيرها إلا مزيدا من الاحتقان… ومزيدا من الأسئلة التي ستبقى معلقة بدون جواب.
