يعيش حزب التجمع الوطني للأحرار لحظة سياسية دقيقة، بعد إعلان عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية جديدة، في خطوة فتحت الباب أمام مرحلة انتقالية حاسمة ستحدد مستقبل الحزب وموقعه داخل المشهد السياسي الوطني، فالانتقال من قيادة أثبتت حضورها داخل الحكومة وفي تدبير الحزب، نحو قيادة جديدة، يمثل منعطفا تنظيميا وسياسيا يختبر قدرة “الحمامة” على إعادة إنتاج نفسها في سياق يزداد تعقيدا.
منذ إعلان أخنوش قراره، بدأ الحديث يتكثف حول الأسماء التي قد تخلفه، ويبرز في مقدمتها محمد أوجار الذي يشكل أحد الوجوه الأكثر رسوخا داخل الحزب، حيث يمتلك الرجل رصيدا سياسيا وإداريا غنيا ومكانة وازنة في الحقل الدبلوماسي والقانوني، ما يجعله مرشحا طبيعيا لقيادة مرحلة تحتاج إلى خبرة وحكمة، خصوصا في ظل موقع الحزب الحكومي وضرورة الحفاظ على استقرار الأغلبية.ط، غير أن أوجار ورغم قوته كمخضرم سياسي، يجد نفسه أمام سؤال داخلي يتمثل في قدرة القيادة المقبلة على ضخ دماء جديدة وتحقيق تجديد حقيقي يخاطب قواعد الحزب والشباب والطبقة الوسطى.
في المقابل، تبرز أسماء أخرى داخل الحزب تحمل بصمة تنفيذية قوية، مثل نادية فتاح التي راكمت تجربة مهمة على رأس وزارات حساسة، وأثبتت حضورا وازنا داخل الجهاز الحكومي، وتبدو قادرة على إضفاء دينامية جديدة على الخطاب الحزبي. أما مولاي حفيظ العلمي، فرغم تجربته الوزارية ونجاحاته الاقتصادية، فإن حضوره التنظيمي داخل الحزب يحتاج إلى آليات دعم وتوازنات داخلية قوية ليصبح مرشحا توافقيا.
ويجد الحزب نفسه اليوم أمام مفترق طرق بين الاستمرارية التي يمثلها الجيل القيادي القديم، وبين التجديد الذي يسعى إليه جزء من قواعده، خصوصا بعد خمس سنوات من قيادة حكومية تميزت بالاستقرار من جهة، وبالتوتر الاجتماعي وتحديات القدرة الشرائية من جهة أخرى. لذلك، تبدو خيارات الحزب مرهونة بمدى قدرته على قراءة المتغيرات واستباق الاستحقاقات المقبلة، لا سيما أن المؤتمر الاستثنائي يأتي قبل شهور فقط من الانتخابات التشريعية، ما يجعل اختيار الرئيس الجديد أداة للدفاع عن موقع الحزب في الحكومة أو إعادة صياغة طموحاته الانتخابية.
كما يظل العامل التنظيمي محددا أساسيا في هذا السباق، فالتوازن بين الجهات، وشبكة المنتخبين، والهياكل الجهوية، كلها عناصر ستؤثر على القرار النهائي، خصوصا في حزب يعتمد بشكل كبير على قوة تنظيمه وموقعه في تدبير الشأن المحلي. وفي الوقت الذي ينتظر فيه الرأي العام هوية المرشح الذي سيقود الحزب، فإن السؤال الأكبر يتعلق بقدرة القيادة المقبلة على تجديد الخطاب، وتوسيع قاعدة الدعم الشعبي، وترميم علاقته مع فئات أبدت انتقادات واضحة خلال السنوات الأخيرة.
إن حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو يتجه نحو مؤتمر استثنائي يوم 7 فبراير بمدينة الجديدة، يقف أمام لحظة فارقة ستحدد شكله السياسي في السنوات المقبلة، فالخلافة ليست مجرد تغيير أسماء، بل هي اختبار لصلابة التنظيم وقدرته على التحول والتأقلم، وهي أيضا فرصة لإعادة تعريف دوره داخل المشهد السياسي الوطني، بين منطق الاستمرارية ومتطلبات التجديد.
وفي انتظار إغلاق باب الترشيحات، تبقى جميع السيناريوهات ممكنة، لكن المؤكد أن الحزب مقبل على واحدة من أكثر محطاته حساسية منذ تأسيسه، وأن القيادة الجديدة ستكون أمام مسؤولية ثقيلة ليس فقط في قيادة التنظيم، وإنما في مواجهة استحقاق وطني يفرض رؤية جديدة، وإجابات سياسية واضحة، وقدرة على استعادة الثقة في زمن يتغير بسرعة أكبر من إيقاع الأحزاب.
اترك تعليقاً