تعرف منطقة تازوغميت بغريس العلوي -دائرة كلميمة- حالة من الاحتقان والنقاش الحاد، عقب خرجات متتالية لفعاليات حقوقية وجمعوية وفلاحين، دقوا من خلالها ناقوس الخطر بشأن ما وصفوه بالاستنزاف الممنهج للفرشة المائية والعبث بعيون الماء، إلى جانب تشييد بنايات غير قانونية في منطقة تعد من أكثر المجالات الهشة بيئيا بإقليم الرشيدية.

في هذا السياق، التقت جريدة “ومضة نيوز” بالسيد لحسن كجي، موزع الماء بمزرعة “إكلميمن”، الذي أكد أن المجتمع المدني سبق أن عبأ الساكنة والفاعلين المحليين قبل سنوات، بعد توافد مستثمرين كبار كانوا يعتزمون إنشاء ضيعات فلاحية كبرى، خاصة بزراعة نخيل “المجهول”.

وأوضح كجي أن ضغط المجتمع المدني آنذاك حال دون تنفيذ تلك المشاريع، غير أن مستثمرين آخرين عادوا لاحقا، لينشؤوا ضيعات فلاحية فوق أراضي الجموع، مع حفر آبار وأثقاب مائية وبناء أحواض ضخمة “بحجم ملاعب”، يتم فيها تجميع المياه وتركها عرضة للتبخر، فيما وصفه بـتبديد صارخ للماء العمومي.

وأضاف ذات المتحدث لجريدة “ومضة نيوز” أن شكايات متعددة باسم النسيج الجمعوي قادت إلى حلول لجنة ميدانية بتاريخ 5 غشت 2024، للوقوف على الوضع بعين المكان، غير أن هذه الزيارة -حسب تصريحه- لم تسفر عن أي إجراءات ملموسة، حيث استمر الحفر دون توقف، “أمام مرأى ومسمع أعوان السلطة المحلية”.
ووصف كجي ما يجري حاليا في تازوغميت بـ :“إرهاب ضد الطبيعة واغتصاب صريح للعيون المائية”، متسائلا بقلق: “أين سيذهب أكثر من ثلاثين ألف نسمة يعيشون على الفلاحة المعيشية في حال نضوب هذه الموارد؟ ”محملا في ختام حديثه، المسؤولية للسلطات المحلية ولوكالة الحوض المائي زيز–غريس–كير.

من جانبه، أكد عمر أجلوق، المنسق الجهوي للائتلاف المغربي للدفاع عن حقوق الإنسان بدرعا تافيلالت، أن مشكلة الفرشة المائية بالمنطقة بلغت مستوى مقلقا، مشددا على أن حفر الآبار فوق العيون الطبيعية يعد عاملا مباشرا على تهجير قسري غير معلن للساكنة القروية، التي تعتمد على الفلاحة الصغرى كمورد وحيد للعيش.

بدوره، عبر محمد إمامي، نائب رئيس جمعية أفريكا لحقوق الإنسان، عن أسفه الشديد لما سماه “الأنانية المفرطة” لبعض المستثمرين، الذين -بحسبه- استغلوا نفوذهم المالي لاختيار منطقة تختزن عيونا مائية تاريخية، كانت ولا تزال سببا في استمرار واحة غريس وضمان استقرار آلاف الأسر بالقصور والقصبات الممتدة على ضفاف الوادي.

وتساءل إمامي باستنكار: “لماذا لم تتخذ أي إجراءات زجرية، رغم وضوح الخروقات وتعدد المذكرات الوزارية الصادرة عن وزارتي التجهيز والماء والداخلية، ورغم التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى محاربة الإجهاد المائي؟”
كما حذر من أن استمرار هذه الضيعات فوق عيون تيفوناسين قد يؤدي إلى انقراض واحة غريس، باعتبار هذه العيون المصدر الرئيسي لسقيها، متسائلا في الآن ذاته عن أسباب عدم استحضار خطاب العرش لسنة 2024، وكذا الخطاب الملكي في افتتاح السنة التشريعية الأخيرة، الذي دعا فيه جلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى إيلاء عناية خاصة للمناطق الجبلية والواحات.

و في سياق آخر خلال زيارة ميدانية قامت بها “ومضة نيوز” إلى منطقة تازوغميت، رصدت الجريدة بنايات قائمة بعين المكان، أكد مواطنون أنها غير مرخصة. كما صرح أحدهم، مفضلا عدم الكشف عن هويته، بوجود تساهل واضح من طرف السلطات المحلية في تشييد هذه البنايات، دون الخوض في خلفيات هذا التساهل.
وبين نفي قائد قيادة غريس لوجود أي آبار أو بنايات مخالفة للقانون، وإصرار الحقوقيين والساكنة على وجود خروقات موثقة، يبقى الحسم في هذا الملف رهينا بتدخل عاجل للسلطات الولائية والمركزية، عبر إيفاد لجان تقنية مستقلة للوقوف على حقيقة ما يجري، حماية لواحة غريس وحق ساكنتها في الماء والحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!