تكشف الفوضى الانتخابية في المغرب وجها آخر من التلاعب السياسي، حين يعمد عدد من المنتخبين إلى تغيير عناوين سكنهم بشكل صوري من أجل الترشح في جماعات لا يقطنون بها فعليا، أو التسجيل في لوائح انتخابية لمناطق لا تربطهم بها أي صلة سوى المصلحة والامتياز، إنها ممارسة غير أخلاقية تضرب في العمق مبدأ التمثيلية وتحول العملية الانتخابية إلى مجرد مناورة تقنية لا علاقة لها بخدمة الصالح العام.

فكيف لمستشار جماعي أن يدعي تمثيل سكان جماعة لا يعيش بينهم، ولا يعرف مشاكلهم اليومية، ولا يتقاسم معهم أنفاس حياتهم وتحدياتها؟ وكيف يمكن القبول بترشيحات أشخاص يقطنون في مدينة، ويمارسون مهامهم الانتخابية في مدينة أخرى، بينما هم مسجلون في لوائح مدينة ثالثة؟ إنها وضعية شاذة تفقد العملية الديمقراطية معناها، وتحول المجالس المنتخبة إلى فضاءات للاسترزاق بدل فضاءات للتنمية.

والأخطر من ذلك، أن بعض هؤلاء المنتخبين لا يكتفون بهذا الخلل، بل يسارعون إلى ملاحقة الصحافيين قضائيا كلما كشفت تجاوزاتهم، رغم أنهم خارج الاختصاص الترابي للجريدة أصلا، في محاولة للضغط على الإعلام وإسكات الأصوات المنتقدة، وهنا تتحول الإقامة المزورة إلى وسيلة للتضليل والابتزاز المؤسساتي، وإلى أداة لتكميم الصحافة المستقلة.

وليس هذا كل شيء، فهناك حالات موثقة لمنتخبين يسجلون في لوائح انتخابية بمدينة معينة، وما إن ينالوا مقاعدهم، حتى يغيروا عناوينهم السكنية نحو مدن أخرى، وكأن العلاقة مع الجماعة كانت مجرد جسر انتخابي لا غير، وهي وضعية تستدعي تدخلا حازما من الولاة والعمال للتشطيب عليهم من اللوائح، أو على الأقل التشطيب على كل من ثبت تغييره لعنوان إقامته بعد الانتخابات الأخيرة، حماية لصدقية المؤسسات المنتخبة وضمانا لحد أدنى من النزاهة.

إن وقف هذا العبث يقتضي تفعيل المراقبة الصارمة لتسجيلات اللوائح الانتخابية، والعمل على مطابقة عنوان المنتخب مع الإقامة الفعلية لا المختارة، مع ضرورة تدخل وزارة الداخلية لوضع حد نهائي لهذه الفوضى التي تشوه صورة الديمقراطية المحلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!