استنفرت وزارة الداخلية أجهزتها الترابية، وأطلقت صفارة إنذار غير مسبوقة في وجه رؤساء مجالس ومنتخبين كبار تورطوا لسنوات في استنبات مناطق صناعية عشوائية داخل المدار القروي لمدن الرباط والقنيطرة والمحمدية وبن سليمان ومديونة والنواصر وبرشيد والجديدة.
تحركٌ مفاجئ في توقيته، لكنه متوقع أمام حجم الفوضى التي تحولت معها هوامش المدن إلى بقع إسمنتية خارج القانون، تدار بقرارات انتقائية وتواطؤات صامتة.
وما يعكس خطورة الوضع أن الوزارة لم تكتفِ بالمراسلات الدورية، بل وجهت تعليمات صارمة إلى الولاة والعمال لحث رجال السلطة على تحرير محاضر مفصلة بالخروقات القائمة، في أفق تفعيل مسطرة العزل وإحالة الملفات على القضاء الإداري، وهي خطوة تعني، بوضوح، أن مرحلة التغاضي انتهت، وأن دورة المحاسبة قد تبدأ بإسقاط منتخبين حاليين، وربما حرمانهم من خوض استحقاقات 2026.
فحين تضطر الداخلية إلى التدخل بهذا العمق، فهذا يعني أن النظام التعميري فقد توازنه، وأن بعض المنتخبين حولوا مسؤولياتهم إلى واجهات للاستفادة الشخصية، على حساب القانون والتنمية وتراب جماعاتهم.
اليوم، لم يعد ممكنا تجاهل الأسئلة المؤلمة: كيف تُركت مناطق قروية تتحول إلى مناطق صناعية خارج أي تخطيط؟ ومن منح الضوء الأخضر؟ ومن استفاد من هذه الفوضى؟
إن التحرك الحالي هو اختبار لجدية الدولة في رد الاعتبار للقانون، واختبار آخر لمدى قدرة المؤسسات على استعادة هيبتها، أما المواطنون، الذين دفعوا ثمن التسيب التعميري من جودة العيش والبنيات التحتية، فهم ينتظرون أكثر من مجرد محاضر… ينتظرون محاسبة حقيقية تعيد للانتخابات معناها، وللتدبير المحلي مساره.
