تعيش الساحة الإعلامية في المغرب على وقع المتابعة الواسعة لمحاكمة إلياس المالكي، في ملف تحول من مجرد قضية أمام القضاء إلى مادة مثيرة للتداول الشعبي والمنصّات الرقمية، غير أن الضجيج المحيط بالقضية يكاد يحجب سؤالا جوهريا يفترض أن يقود النقاش: هل نريد فعلا معالجة الظاهرة، أم نكتفي بمعاقبة الشخص؟
لقد كشفت المتابعة الإعلامية للقضية عن تجاوزات مهنية وأخلاقية في التغطيات الصحفية؛ تجاوزات انزلقت بالملف من منطق الخبر والتحليل، إلى منطق الإثارة واستثمار التصريحات الانفعالية، مع إغفال يكاد يكون كاملا لجوهر القضية، وتجاهل صارخ لمبدأ أساسي في الممارسة الصحفية ذلك المتعلق أساسا بقرينة البراءة.
وبعيدا عن الشخص نفسه، يجد المجتمع المغربي اليوم نفسه أمام مرآة تكشف الكثير مما لا نحب الاعتراف به، فظهور شخصيات مثل المالكي وتحولها في ظرف وجيز إلى ظواهر رقمية ليس إلا نتيجة لتراكمات ثقافية وتعليمية وقيمية، صنعت جيلا يسهل إغواؤه بالشهرة السريعة، ويصعب جذبه إلى المعرفة الحقيقية أو الإبداع الصادق.
والسؤال الذي يجب أن نقف عنده بتمعن اليوم هو، أين كانت الجمعيات والهيئات والفعاليات المدنية التي بادرت إلى تقديم الشكايات قبل اليوم؟
ألم يكن من ضمن أهدافها وواجباتها تأطير هؤلاء الشباب وتحصينهم بالقيم، قبل أن يتحول بعضهم إلى رموز لثقافة الانحدار؟ أم أن المجتمع بأكمله كان يراقب بصمت، بل وربما كان يساهم في تضخيم هذه الظواهر عبر المتابعة والإعجاب والانتشار الخفي؟
فالمالكي وغيره ليسوا سوى نتاج بيئة تتراجع فيها جودة التعليم سنة بعد أخرى، بيئة تسمح بالتفاهة أن تتصدر المشهد، بينما يتم تهميش أصحاب الكفاءة، وإقصاء المستقلين، وفتح الطريق أمام الولاء بدل الاستحقاق.
إن محاكمة المالكي لا يجب أن تكون مجرد محاكمة فرد، بل لحظة صريحة لمساءلة الذات:
ما الذي جعل من التفاهة سلعة رائجة؟ ومن المسؤول عن صناعة هذا الفراغ الثقافي الذي ملأته شخصيات عابرة؟
وما دور الإعلام، والمدرسة، والمجتمع المدني، والمؤسسات التربوية في بناء مناعة مجتمعية تمنع تكرار الظاهرة بدل الاكتفاء بملاحقة نتائجها؟
وفي انتظار كلمة القضاء، تبقى العدالة فوق الجميع، ويبقى القانون هو الفيصل…
لكن السؤال الأعمق سيظل معلقا:
هل نريد معالجة الظاهرة أم معاقبة الشخص؟
