لن أتعب كثيرا في البحث عن زمان ومكان ظهور ثمرة اليقطين بعدما ذكرها الله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم، عندما أنقذ بها سيدنا يونس رضي الله عنه، حينما نبذه الحوت، فأخرجه موج البحر الى الشط، فاستظل بظلها وأكل من ثمراتها، فكانت له شفاء متكاملا، “وأنبتنا عليه شجرة من يقطين” الآية.
ولن أتردد كثيرا في القول بأن اليقطين ظهرت عند الحضارات الأمريكية القديمة، منذ شعوب الأزتيك وألمايا والإنكا في القرن الرابع عشر ميلادي، واستعملوها في الطهي والشفاء والشعودة وأشياء أخرى، كما أنني لن أكثر الحديث عن الشعب الإيبيري، الإسبان والبرتغال، بعدما اكتشفوا اليقطين خلال غزواتهم البحرية للأراضي الأمريكية في القرن السابع عشر، ثم جلبوها معهم كما جلبوا الذهب وباقي الخضراوات والفواكه المدارية إلى أوروبا.
ولن أشير أيضا إلى سبب استخدام سكان السلتيك القاطنون فيما بين الجزر البريطانية والإيرلندية، عند تحويلهم لثمرة اليقطين إلى مجسم شيطاني من أجل ممارسة طقوس الهالوين، قصد طرد الأرواح الشريرة عند بداية كل فصل الشتاء، كما أنني لن أتحدث عن فوائد اليقطين أو “الڭـرعة”، وعن أنواعها وتسمياتها وطرق طهيها، وهل هي نوع من الخضر أو من الفواكه، وعن فوائدها الطبية والصحية، وكيف تزرع وتجنى، وعن أنواع التربة التي تصلح لها، لكن ما يهمني فيما سأكتبه في هذا المقال هو تمحيص البحث في الموضوع، وتنوير الرأي العام والخاص، والبرهنة على أن زراعة اليقطين أو “الڭـرعة” ليست من أصول دكالية، ولا من اختصاص الدكاليين.
قبل ذلك هناك أسئلة محورية تطرح كثيرا في الآونة الأخيرة حول هذه القضية: لماذا أخذت نبتة اليقطين أهمية أكثر من حجمها بدكالة دون باقي الزراعات والخضراوات؟ وما سبب شعبيتها بدكالة دون باقي الزراعات المهمة من حيث المساحة والإنتاج؟ لماذا ألصقت الڭـرعة أو اليقطين بالدكاليين دون سكان المناطق المغربية الاخرى؟ وما هي براهين اولئك الباحثين الذين جعلوا من الڭـرعة تراثا دكاليا، ورمزا ثقافيا للمنطقة؟ ولماذا انحرفت معاني اليقطين أو الڭـرعة وأخذت منحى شعبيا وهزليا على الدكاليين؟ تاريخيا، فحتى حدود منتصف القرن العشرين، وخلال سنوات الحماية الفرنسية، مع احتلال المعمرين الأوروبيين لأجود أراضي دكالة، لم تكن زراعة الڭـرعة تذكر ضمن الأنواع التي وجودها عند غزوهم للمنطقة، بل كان الدكاليون يفلحون أراضيهم فقط من أجل الزراعات الموسمية كالقمح والشعير والقطاني، وقليل من زراعات الكتان والحلبة والكمون والحناء، وباقي الأراضي تبقى بين الرعي أو البوار، باستثناء بعض البقع التي يتم تخصيصها إلى “محيطات” أو “سواني”، يزرع فيها الصبار والتين وبعض الفواكه الشعبية.
لم تذكر أية إشارة في الأبحاث القديمة عن زراعة اليقطين بمنطقة دكالة، أو أن الدكاليين كانوا سباقين في زراعتها، لا في كتاب “دائرة دكالة” لمؤلفه جون كولفن سنة 1917، رئيس المصالح المدنية بالإمبراطورية الشريفة، ولا في كتاب مدن وقبائل المغرب للمستكشف الكوليونيالي والسوسيولوجي الفرنسي ادوارد ميشو بلير سنة 1914، وهي من أهم كتب دلائل الاستعمار الفرنسي، المعتمدة في اختيار أجود الأراضي لاقتناءها أو لاحتلالها.
أما دراسات الباحث الاجتماعي المغربي “بول باسكون”، فقد أخص جزءا مهما من أبحاثه لأراضي دكالة في كتابه دراسات قروية، في بدايات استقلال المغرب، وأشار إلى كثرة الأراضي البائرة رغم خصوبتها ووفرة المياه بها، إذ كان فلاحو ولجة دكالة يستغلون الأرض فقط في الزراعات المعاشية، او في الرعي وتربية الخيول، لكن مع دخول المعمرين استغلت المنطقة في زراعة الخضراوات والبقليات، وكانت أولها هي ثمار الطماطم، ثم تلتها باقي الخضراوات من فلافل وبادنجان وجزر، ثم انتقلوا إلى زراعة الدلاح والحوامض والرمان بل وحتى الموز. اشتهرت دكالة في زمن الفلاحين الفرنسيين بزراعة الطماطم، وأصبحت رائدة في إنتاجها وتصديرها إلى الميطروبول الفرنسي، حتى أطلق على فلاحيها لاختصاصهم في ذلك بطماطميي المغرب” les tomatiers du maroc، وسميت دكالة ب” بلد الطماطم” “Doukkala terre des tomates”، بل أصبح ديربي دكالة عبدة في كرة القدم، بين فريقي “سبورتينغ مزغان” و”الاتحاد المسفيوي” يطلق عليه بديربي “الطماطم والسردين”، وليس بديربي ” الڭـرعة والسردين”! إن ما يميز منطقة دكالة هي فلاحتها المتنوعة، تتوزع ما بين زراعة الحبوب على مساحة أكثر من 200 الف هكتار، البقوليات خمسة آلاف هكتار، العنب أربعة آلاف هكتار، باقي الفواكه 6 آلاف هكتار، كما تخصص 14 ألف هكتار لزراعة الخضر، منها 2% فقط لزراعة اليقطين.
لم يهتم سكان دكالة بزراعة الڭـرعة كثيرا، فقد كانوا يزرعونها في بعض البساتين وعلى هوامش الأراضي الفلاحية، أو وسط الحقول المزروعة، لأنها لا تحتاج إلى مجهود فلاحي كبير، فهي تنمو بسرعة وبسهولة، ولا تحتاج لأتربة جد غنية، شديدة المقاومة للظروف المناخية، ويمكن تصبيرها لمدة أطول، على السطوح وفوق “السطارات” وبين أكوام التبن، من أجل الاستهلاك وأشياء اخرى.
أما على المستوى الوطني، فزراعة اليقطين تنتشر بشكل وافر في كل الأراضي الفلاحية بالمغرب، بسوس والشاوية وعبدة والغرب وزعير وتادلة وسايس والريف والشرق، وكل فلاحي المغرب يتقنون زراعتها، وبفضل هذا أصبح المغرب منتجا مهما لليقطين، على مساحة تقدر بأكثر من 11 ألف هكتارا، ونصيب دكالة منها فقط 290 هكتار، أي 2.50 % من المساحة الإجمالية المزروعة بالأراضي المغربية.
تكمن شهرة دكالة الفلاحية وطنيا ودوليا في إنتاج العنب، وما أدراك ما عنب بولعوان والعونات ومتوح، وكذلك في إنتاج التين، وما ألذ من تين دكالة بأراضي أولاد فرج وعين تالمست، إضافة إلى إنتاج الدلاح بأراضي أولاد بوعزيز وأولاد عيسى وسيدي اسماعيل، ثم فاكهة الرمان بأراضي مهيولة الخصبة، وبرتقال دكالة الحلو الذي كانت ولجة هشتوكة هي الرائدة في زراعته وطنيا منذ سنة 1920، وزراعة الزهور عند سيدي بونعايم، بإنتاج ما يعادل 49 مليون زهرة سنويا، وزراعة المحار بالوليدية رائدة فواكه البحر بالمغرب، إضافة إلى بعض الزراعات المدارية كالأفوكا، الباباي، الأناناس والكيوي.
واذا كانت أراضي دكالة تحتل الصدارة وطنيا في إنتاج وجودة الخضروات والبقليات والفواكه والزهور، فلماذا يتم اختصار إنتاجها الفلاحي فقط في اليقطين رغم ضآلته مجاليا؟ ثم ما الذي جعل هؤلاء “الباحثين” يختارون الڭـرعة ك”تيكيت” فلاحي خاص بالمنطقة؟ ولماذا لم يصف هؤلاء “العقلاء” أرض دكالة ببلد العنب، ولا بأرض التين، ولا ببحائر الدلاح، ولا ببساتين الزهور؟واذا كان الجديديون فد تحمسوا لتنظيم مهرجانات فلاحية باسم اليقطين أو الڭـرعة، فلماذا لم يتم التفكير في تنظيم مهرجانات فلاحية حول العنب أو التين أو الدلاح أو الزهور؟ ثم الاجتهاد في تنظيم مسابقة “ملكة جمال دكالة”، على مقياس رونق وجمال هاته الفواكه الجميلة؟ “ملكة جمال العنب” !… “ملكة جمال الرمان” ! .. “ملكة جمال التين” ! … “ملكة جمال الزهور” ! … بدلا من “ملكة جمال اليقطين” أو “ملكة جمال الڭـرعة ” !!!.
