في الوقت الذي تراهن فيه الدولة على المجتمع المدني شريكا أساسيا في التنمية، ما يزال تقييم العمل الجمعوي في بلادنا محكوما بمقاربات تقليدية تجعل الدعم العمومي غاية في حد ذاته لا وسيلة لبلوغ الأثر، وبدل أن يتحول هذا الدعم إلى رافعة حقيقية لتجويد الأداء وترسيخ قيم الشفافية والنجاعة، ظل في كثير من الأحيان آلية غير عادلة تقصي المبادرات الجادة وتمنح الأفضلية لمن يتقنون لغة التألق والنفاق أكثر مما يتقنون لغة الميدان.
لقد وصلت التجارب الرائدة في العالم إلى مرحلة متقدمة من ربط التمويل العمومي بالنتائج المحققة، وليس بالتصريحات أو الوعود، ففي بعض الدول الإسكندنافية، على سبيل المثال، لا ينظر إلى الجمعية من خلال عدد أنشطتها في السنة، بل من خلال مدى قدرتها على تغيير الواقع: كم طفل عاد إلى المدرسة؟ كم أسرة خرجت من الهشاشة؟ كم مبادرة خلقت أثرا مستداما في محيطها؟ هذا النموذج يجعل المنظمات تتنافس في الإبداع والابتكار بدل التنافس في صياغة التقارير.
ولعل اللحظة الراهنة التي تعيشها بلادنا، والتي تتجه نحو إعادة ضبط علاقة الدولة بالمجتمع المدني، تفرض نقلة نوعية في كيفية تقييم الفعل الجمعوي، إذ لم يعد مقبولا أن توزع اعتمادات مالية دون آليات دقيقة لقياس الأثر، ودون دلائل مرجعية واضحة تحدد ما ينتظر من كل جمعية على حدة، كما لم يعد مناسبا غض الطرف عن ضرورة نظام وطني موحد لتتبع المشاريع يسمح بتقييم دوري وشفاف يمكن من خلاله معرفة أين تذهب الأموال، وكيف تصرف، وما إذا كانت تحدث فرقا فعلا في حياة الناس.
إن المجتمع المدني المغربي لا ينقصه الذكاء ولا الحماس ولا الطموح، لكنه يحتاج إلى بيئة تشجع العمل الجدي، وتحاصر الريع، وتمنح الثقة للفاعلين الحقيقيين. لذلك، نقترح – انسجاما مع روح الإصلاح – اعتماد مقاربة جديدة تشرك الجامعات ومراكز البحث في تقييم المشاريع، وتعطي للمواطن دورا في مراقبة أثر الجمعيات داخل مجتمعه، كما تفعل الدول المتقدمة التي جعلت من المواطن شريكا في المساءلة لا مجرد متلق للخدمة.
إن إعادة الاعتبار للعمل الجمعوي يمر عبر بوابة الشفافية وربط الدعم بالنتائج، وعبر إرادة سياسية تؤمن بأن التنمية المحلية لا تصنع بالولاءات، بل بالكفاءات، وما لم يتم إعادة النظر في طريقة التقييم، سيظل المجتمع المدني يكرر الأخطاء نفسها، في حين تضيع كفاءات كثيرة قادرة على إحداث الفرق.
