لا يولد النجاح صدفة، بل يصنعه الإصرار حين تمتزج النية الصافية بالفعل الجماعي المسؤول.
ذلك ما جسدته ندوة مركز ومضة للإعلام والتنمية، المنظمة بشراكة مع جامعة شعيب الدكالي – كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، احتفاء بذكرى المسيرة الخضراء المظفرة.

ندوة لم تكن مجرد نشاط أكاديمي عابر، بل كانت ثمرة عمل دؤوب امتد قرابة الشهرين، من التخطيط والاجتماع والتشاور، إلى أن تجسد الحلم على أرض الواقع.

منذ اللحظة الأولى، انخرط أعضاء المركز في التحضير للمشروع بكل حماس وإيمان، مدفوعين بمحبة الوطن وبقدسية الذكرى التي تعيد في كل عام إشعال جذوة الوطنية في قلوب المغاربة. كان الشعور العام بين الأعضاء أن هذه الندوة ليست مجرد حدث، بل رسالة وفاء للمسيرة الخضراء التي وحدت المغاربة حول قيم التضحية والإخلاص، ورسالة إيمان بعدالة قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الصحراء المغربية.

ولأن “الأعمال بالنيات”، كما يقول الحديث الشريف، فقد كانت نيتنا خالصة لله والوطن.

تكاثفت الجهود، وتوزعت المهام بروح الفريق، فتكلف كل عضو بجزء من الإعداد، وتكاملت الجهود في صمت وثقة وإخلاص، لم نبحث عن دعم مادي، ولم نثن الجهد أمام قلة الإمكانيات، لأننا آمنا أن الصدق في العمل الجمعوي لا يقاس بما يصرف، بل بما يبذل من حب ووطنية وإيمان بالفكرة وكان فيها لمساهمة جامعة شعيب الدكالي بحفل استقبال متميز وحفل شاي على شرف الحاضرين الأثر البالغ، وعنوانا لتجذر قيم التعاون بين الجامعة ومكونات المجتمع المدني الجادة، بما يعكس رؤيتها المنفتحة على المبادرات التنموية والفكرية.

وقد وجدت الندوة منذ البداية حاضنة علمية كريمة، حين فتحت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة ذراعيها لاحتضان هذا المشروع في مركز دراسات الدكتوراه، دون تردد أو قيد، وهو ما زاد من حماس الجميع، ومن هناك انطلقت الاتصالات بالأساتذة الجامعيين الذين يعتبرون فرسان الكلمة والحجة في الدفاع عن قضية الصحراء المغربية، فكان أول من لبّى الدعوة الدكتور محمد بنطلحة الدكالي، الذي لم يتردد لحظة في قبول المشاركة، بل قدم من خبرته وتوجيهه ما ساعد على إخراج الحدث في أبهى صورة.

لم نعرف صعوبات ولا عراقيل، لأن الإيمان بالفكرة كان أكبر من كل العوائق، ولم نحتج إلى موارد مالية خارجية، لأننا قررنا أن نتحمل جميع التكاليف بأنفسنا، إيمانا منا بأن العمل التطوعي لا يقاس بالعائد المادي، بل بالمردود الرمزي والمعنوي الذي يخلده التاريخ.

وفي يوم الندوة، تضافرت العزائم وتجلت الصورة التي حلمنا بها: قاعة ممتلئة، كلمات علمية وازنة، وأجواء وطنية خالصة تعكس أن الإعلام الجاد يمكن أن يكون شريكا في الفكر والتنمية لا مجرد ناقل للخبر. كان حضور الدكاترة الكبار: محمد بنطلحة الدكالي، محمد الطيار الذي حل من أكادير إلى مطار الدارالبيضاء على نفقته الخاصة في لفتة تظهر الوطنية الصادقة للرجل، ثم عبد الفتاح نعوم الذي لم يتردد لحظة في قبول الدعوة، حسن فاتح، والأستاذ المصطفى عشماوي إضافة نوعية جعلت من الندوة حدثا وطنيا حقيقيا، كما كان لحضور الأستاذة رجاء البحثر، رئيسة المركز، الأستاذ هشام معنوي، والأستاذ كريم لعميم وكافة أعضاء المكتب المسير أثر واضح في التنظيم المحكم وإنجاح كل تفاصيل اللقاء، إلى جانب الطلبة المتطوعين وفي مقدمتهم الطالب علي الصلحاوي الذي جسد روح الجيل الصاعد في خدمة القيم الوطنية.

لكن أجمل ما حدث، والذي جعل الحدث يأخذ بعدا تاريخيا غير متوقع، هو تزامن الندوة مع صدور القرار الأممي رقم 2797، الذي اعترف بمشروعية الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل وحيد للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية على بعد أربعة أيام من تنظيمها، ليأتي الخبر السعيد ونحن في الندوة وما إن وصل الخبر حتى توقفت المداخلات، ليتلو الدكتور بنطلحة الدكالي أمام الحاضرين بلاغ الديوان الملكي السامي، الذي نص على إقرار يوم 31 أكتوبر عيدا وطنيا جديدا تحت اسم “عيد الوحدة”.

هي لحظة تاريخية انطلقت من قاعة الندوة، وسط تصفيق الحضور وهتافهم بحب الوطن، وكأن القدر أراد أن يكافئ نياتنا الصادقة بهذا التتويج الرمزي الكبير.

لقد كان لذلك الحدث أثر بالغ في نفسيتي، لأنني لطالما آمنت أن من يعمل للوطن بصدق، يرزقه الله ثمار جهده في وقتها المناسب، فكان شعور الفخر مضاعفا، فخر بوطني الذي يسير من نصر إلى نصر، وفخر بمركزنا حديث النشأة الذي نجح في تقديم نموذج راق للإعلام الجاد والمسؤول، الإعلام الذي لا يركض خلف الإثارة، بل يصنع الفكر والوعي والانتماء.

إن ندوة “المسيرة الخضراء من ملحمة التحرير إلى رهانات التنمية والدبلوماسية” لم تكن مجرد نشاط أكاديمي ناجح، بل كانت رسالة مغربية صادقة إلى كل من يشكك في وحدتنا أو في صدق مؤسساتنا الوطنية، كما أثبتنا لمن له هواية التشكيك أو إلى هواة العصا في العجلة أن “سوقنا عامر” بحب الوطن، وبأن حب الوطن يمكن أن يصنع المعجزات متى اجتمعت النية الصافية والإرادة الجماعية والإيمان بالفعل التطوعي.

ولأننا آمنا أن “المرء على نياته يرزق”، فقد رزقنا الله فرحة وطنية من رحم الفكرة، وفرحة أكاديمية من عمق الصدق، وأكد لنا أن الإعلام حين يكون نزيها وصادقا، يمكن أن يكون في مقدمة المساهمين في الدفاع عن الوطن وبناء وعيه الجماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!