مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، تتزايد التساؤلات حول مدى استجابة الفاعلين السياسيين لتطلعات المواطنين، خصوصا الشباب الذين يشكلون الأغلبية ويعتبرون الأكثر تأثرا بمستقبل الحياة السياسية.

في السنوات الأخيرة، أظهرت مؤشرات الرأي العام تراجعا ملحوظا في الثقة بالمؤسسات السياسية، بينما ارتفعت الثقة في القضاء والمنظمات المدنية، ما يعكس فجوة واضحة بين أداء المؤسسات وتوقعات المواطنين.

وأظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن 74% من المواطنين يثقون بالقضاء، و70% بالمنظمات المدنية، بينما تراجعت الثقة في الحكومة إلى 33%، البرلمان إلى 38%، والأحزاب السياسية إلى أقل من 30%. هذه الأرقام تعكس أزمة ثقة حقيقية، تتفاقم مع كل موسم سياسي يطغى فيه منطق المصالح الضيقة على الإصلاحات الهيكلية.

ورغم إقرار البرلمان 18 مشروع قانون من أصل 22 خلال السنة الثالثة من الولاية، إلا أن ضعف نسبة قبول التعديلات (22,75%) وتهميش مقترحات المعارضة أعاد التأكيد على وجود خلل في التوازن والرقابة البرلمانية، هذه المؤشرات تزيد من إحساس المواطنين بعدم فعالية المؤسسات في تحقيق الإصلاحات المنتظرة.

وكشفت تقارير برلمانية وحقوقية عن حالات استغلال النفوذ لمصالح شخصية لدى بعض المنتخبين، وارتباط بعضهم بصفقات مشبوهة واستغلال المال العام، أدت إلى اعتقال ومحاكمة العديد منهم في حين لا تزال المحاكمات والتحقيقات جارية مع العشرات منهم.

وفي ظل غياب مسائلة فعلية، تتزايد مشاعر الريبة وفقدان الثقة لدى المواطنين، خصوصا بين الشباب، الذين يعبر 70% منهم عن عدم ثقتهم في المؤسسات، و86% غير راضين عن أداء الأحزاب، فيما لم تتجاوز نسبة المشاركة في آخر انتخابات 48%.

حتى الآن، لم ترقَ محاولات الإصلاح إلى مستوى التحدي، حيث أن مدونة الأخلاقيات البرلمانية الجديدة ولجنة مراقبة تضارب المصالح خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تبقى غير كافية في غياب تطبيق صارم وتوسيع الإطار القانوني ليشمل جميع الفاعلين العموميين.

المجتمع المدني رفع من سقف الضغط، حيث لوحت بعض الجمعيات باللجوء إلى المنظمات الدولية للمطالبة بمزيد من الشفافية والمحاسبة الفعلية.

وضع دفع حزب التقدم والاشتراكية إلى توجيه مذكرة رسمية لوزارة الداخلية لمنع ترشح الأشخاص المشبوهين في قضايا الفساد، سواء المالي أو الانتخابي، والتزامهم بميثاق شرف حزبي يركز على هذا الجانب، وهي الخطوة تمثل محاولة واضحة لإعادة الثقة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

اليوم، تقف الحياة السياسية في المغرب أمام مفترق طرق، فإما مبادرات إصلاحية جريئة تعيد الثقة وتفرض الشفافية، أو استمرار الانحدار نحو عزوف شعبي أوسع، قد يفرغ المؤسسات من شرعيتها ويجعل القرار العمومي رهين صفقات خلف الكواليس بدل النقاش الديمقراطي المفتوح.

إن مستقبل السياسة المغربية اليوم، رهين بمدى قدرة الأطراف الفاعلة على الاستجابة لتطلعات المواطنين، وخصوصا الشباب، عبر إصلاحات حقيقية وشفافة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!