✍ حسن فاتح

ما من فريق بطل إلا ووراءه جماهير عظيمة، تؤازره ويكافؤها، تسانده ويشكرها، هاته اللازمة لا يمكن تطبيقها على كل الفرق المغربية، فبعض منها لا تستحق ما تقدمه لها جماهيرها من تشجيعات وتضحيات، من ضمنها  نجد الدفاع الحسني الجديدي، هذا الفريق العريق، الذي انبعث من رحم المقاومة، على يد المرحوم “بلعربي باكل”، كان وراء صعوده مسيرين رجال، ووراء تألقه لاعبين كبار، وخلف صموده جماهير عظيمة،  ضحت كثيرا من أجل هذا الفريق، منهم من جنى على مستقبله الدراسي فعاش عاطلا لم يرحمه الزمن من بعد، ومنهم من أهمل أحوال أسرته حينما صاحب الفريق أينما حل أو ارتحل، ومنهم من كسدت تجارته حتى انتهى وراء القضبان، ومنهم من فقدوا فلدات أكبادهم في حوادث سير مفجعة، مازالت ذكراها أليمة بيننا حتى الآن.

كثير من المحبين الجديديين الذين  نحثوا أسماءهم  في تاريخ الفريق، وتركوا ذكريات خالدة بين المدرجات والملاعب، من منا لا يتذكر المشجع عمر أو “اعويمير”  الذي يبوس الكرة حتى تستقر في الشباك، بنحليمة “مول الطاكسي” المتخصص في نرفزة حراس مرمى الخصم، عبد الرحيم  الملقب ب “مانولو” وجنونه بألف من الجماهير، “مونتيكاو” بائع لبّ عباد الشمس والفول السوداني، مصطفى بجداد “بائع اللبن” وصهيله الذي يشق جنبات الملعب، “فريدو” الطراح الذي لم تمنعه أبدا إعاقته من حضور المباريات، “جوجو” اليهودي صاحب لقب المهيبيلة، الفقيه الطالب الذي يغلق أبواب المسجد والمسيد من أجل الدفاع، دون أن ننسى الحاجة لعويسي التي جعلت من الدفاع جزء منها حتى آخر رمق في حياتها.

مرت أجيال وأجيال، وتغيرت الأحوال، وحمل المشعل الخلف من السلف، لكن بطرق وبفلسفات أخرى، ليشكل الثنائي الجماهيري “كاب صولاي” و”دوص كالاص”  الأعمدة الأساسية للقاعدة الجماهيرية الجديدية، وجودهما لا يقل أهمية عن باقي مكونات الدفاع الحسني،  لهما دورا مميزا وفعالا في صمود الفريق، وضمان استمراره حيا مع الكبار.

تعد الجماهير الجديدية من بين أحسن الجماهير المغربية تشجيعا لفريقها، بل تتفوق أحيانا على البعض، من حيث الروح الرياضية وجودة التشجيع، وهذا ما يجعلها من الجماهير النادرة التي لا تتسبب في عمليات الشغب الرياضي، لكن في المقابل يبقى الأمر محزن بأن لا تكافأ بنتائج وبألقاب نظير ما يقدموه من تضحيات، لعل ذلك ينسيهم محن التشجيع التي يعيشونها طيلة مسارهم النضالي، فما تعانيه  الجماهير الجديدية الآن مع فريق “المهيبيلة” هو أشبه بقصة دونكيشوط الذي يحارب السراب، بعدما مر قرابة ثلثي قرن من الزمان،  ولا درع بطولة في خزانة الفريق، ومع ذلك، ورغم شح النتائج وجفاف الألقاب، لم تتخلى هاته الجماهير عن الدفاع بسبب  حبهم الجارف لها.

إنه اللاعب الجوكر داخل الفريق،  له الفضل في العديد من المناسبات في ترجيح كفة الفريق الجديدي أمام خصومه، هو العنصر الوحيد الذي يتمنى أن يكون  فريقه أحسن من أحواله، سخائه لا نظير له، وفاءه فاق حدود البحر، يضحي بدون مقابل، لا يطمع في خيراتها، لا يبيع ولا يشتري، لا يساوم ولا يسمسر، إنه الكائن الرياضي الذي يحب الفريق بدون مقابل، يعاتب ولا يحقد، يمدح ولا يذم، يلعن في حالات الغضب، لكن يبقى كل هذا بمتابة  لوم الحبيب لحبيبته.

فهل يستحق الدفاع الحسني الجديدي مثل هذا الجمهور الوفي العاشق المرحاب الرائع؟

يعيش الفريق في هاته المواسم الأخيرة، وبشكل متكرر، هزائم وانتكاسات، إقصاءات وأزمات، وفضائح مرغت اسم فريق الدفاع الحسني الجديدي في الوحل، لكن فاق صبرالجماهير صبر أيوب، و بلغ السيل الزبى، إلى متى سيبقى هذا الجمهور صبورا قنوعا، يتفرج على معشوقته وهي تتعرض لأبشع أنواع الشدود والاستغلال، على يد من يدع التسيير والتدبير؟

يا آل مكتب الدفاع .. ألا تخجلون من أنفسكم أمام هاته الجماهير؟ ألا تستحيون من رؤية وجوهكم في المرايا؟ ألا تخافون الله فيما أنتم فاعلونه بهاته الجماهير الوفية؟

إذا كانت لكم ذاكرة أسماك فسوف نعيد تذكيركم، إذا كنتم عميان البصيرة  فالعمى أفضل لكم،   إذا كنتم من أبناء أبي جهل  فاسألوا أهل المعرفة لترجعوا إلى الله، اسألوا عن الجماهير كيف تبيت في العراء من أجل تذكرة عبور، اسألوا عنهم كيف يدبرون الأموال من أجل صنع “تيفو” يتحدث عنكم، اسألوا عن المحبين كيف يسافرون ويرافقون الفريق، اسألوا عنهم كيف يجوعون، يعطشون، يتشردون، يسجنون، يمرضون وأحيانا يموتون باللامبالاة وقلة ذات اليد.  

لكن رغم كل هذا الصد والجحود، لم تغدر ولم تهجر الجماهير الجديدية الدفاع، حتى وإن قست عليهم  في الكثير من الأحيان، قد يخاصمونها في عز الغضب، يلومون، ينتقدون، يشتمون ويقاطعون المباريات أحيانا، لكن في الأخير  يعودون مغرمون لا مرغمون، بسبب جيناتهم المتشبعة بحب الدفاع، لأنهم متمرغون في أفيونها حد الإدمان.

أمام ما يتعرض له هذا الجمهور العاشق لمختلف أنواع الجحود والنكران من مسيري الفريق، كان من الممكن أن يزيغ عن غيه، ويتخذهم الجمهور عدوا، يشاغب ويعاقب، ويحاسبهم على الوعود التي قطعوها على أنفسهم وأخلفوا فيها، لكنه لا يفعل.

آه … لو كانت لهاته الجماهير سلطة القضاء، لكشفوا الاختلالات وفضحوا السرقات، وكشفوا عن الأموال المحولة إلى سيارات وفيلات ومشاريع، وسلسلوا الفاسدين في سلسلة واحدة، أولئك الذين نهبوا وأكلوا وشربوا من ضرع بقرة الدفاع، حتى صار القرد منهم غوريلا، والصرصار منهم دينصورا.

رحم الله من رحل من الجماهير العاشقة، وأطال الله فيمن ينتظر درع البطولة، وحسبي الله في من كان سببا في ضياع الألقاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.