مرت سنتين من العمر على آخر مباراة حضرتها الجماهير الجديدية، تم نسيانها كرها بعد أن بلعتها “كورونا” بلعا، لكن عادت الروح من جديد إلى المدرجات، بعد ما صدر عفو الجامعة فيما تبقى من سجن الملاعب، كان لهذا الانفراج الحياتي وقع إيجابي على نفسية الشباب، خاصة منهم المنغمسين في حب كرة القدم حتى المخمصين، وجنونهم المتطرف في تشجيع فرقهم غالبة كانت أم مغلوبة.

في يوم السادس من شهر مارس، بالمقاهي وبين الدروب والقيساريات، لا شيء يعلو عن حديث مباراة الدفاع الحسني الجديدي ضد أولمبيك خريبكة، وعن كيفية تحصيل ثمن التذكرة وخطط الولوج الى “سطاد” المدينة، هؤلاء حجمهم أكبر بكثير من عدد مقاعد الملعب، أغلبهم لا يملكون ثمن وسيلة النقل، فبالأحرى ثمن التذكرة، متشوقون ومتلهفون قهرا، لكن سيعودون والعود أحمد، وهنا سنقول “عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ، بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ”.

الكل ينتظر ساعة الصفر بكل شغف من أجل العودة إلى الميادين، إلا أجهزة الأمن، فهم في ذلك اليوم رجال تحت الشمس، منذ مشرقها حتى مغربها، متعبّأين ومتعبين، ضغط رهيب فوق رؤوسهم، فهم لا يطيقون في هذا اليوم شعرة في بني آدم، صارمون حد السيف في تطبيق التعليمات، من أجل استباق أي سلوك طائش غير منتظر، قد يتسبب في انحراف هذا الموج الزاحف، وكأن الأمر يتعلق بجنس غير بشري.

في صباح ذلك اليوم بدأت تزحف أسراب آدمية كالنمل على الأرصفة، روافد من البشر تنحو في اتجاه واحد، فكل الطرق تؤدي إلى ملعب العبدي بالجديدة، من شوارع محمد الخامس، المقاومة، فارين، النخيل، نحو شارع المسيرة الخضراء صفا صفا، بعدها ازدحموا حتى تكدسوا، واختلط الحابل بالنابل، مع الصالح بالطالح، تلاصقت الأجساد، فكثر الرفس والدهس، ولا أحد يبالي بأحد، وكأننا في يوم الحشر، الكل يريد أن يعبر الممر، لكن أين المفر، ليس أمامك إلا الدفاع عن النفس، والنجاة من الاندفاع الهمجي.

أمام هذا الوضع الكارثي غير المألوف، بدأ الصبر ينفذ، حتى ضاقت الأنفس والخواطر، يجبرون الكل على المرور من ممرات مسيجة، لا تكفي لا للدجاج ولا للنعاج، هلكت الأجسام الضعيفة والصغيرة، من أطفال وفتيات وشيوخ، تعالت الأصوات من أجل النجدة، لكن لرجال الأمن نظرية أخرى، وكأن لسان حالهم يقول، “مزيدا لكم من العذاب حتى لا تفكروا في العودة مرة أخرى”، هل هذا سلوك انتقامي أم استفزازي، أم هو مزيد من الأمن من أجل التأمين.

يغلب على هاته الجماهير شباب عشريني، ترى عيونهم جائعة، ووجوههم شاحبة، تحمل بين طياتها معاناة البطالة والحرمان، الغلاء والسخط، تؤازرهم في هذه المهنة والمحنة، فتيات جميلات في عمر الزهور، للأسف تخشَّن جنسهن اللطيف بصوتهن الذكوري، لا يهمهن الكلام النابي ولا تحرش المتربصين، بل هدفهن هو أن يخلقن التميز وسط المشجعين.

عند “الكورفا سود” تكون تلك الجماهير سيدة في ميدانها، تتحرر وتعلن تمردها على الكل، على السلطة والأسرة والمجتمع، وتطلق من حناجرها المشروخة،  بفرط الصراخ والتشجيع، شعارات وأناشيد واحتجاجات، رسائل رياضية اجتماعية وحتى سياسية، وأحيانا تتحول الأمور إلى شتائم قبيحة في حق رئيس الفريق وأعضاء المكتب، لا أحد يحكم هؤلاء الشباب ذوي الأجساد المصطفة،  عارية أحيانا وموشومة،  سوى زعيم واحد وأوحد، إنه “الكابو”، القائد الأعلى  ل”الاتراس”، أو هو قائد السمفونية، كل حركة أو إشارة لجماهيره فهي أمر مطاع يجب تنفيذه، ويتحول أحيانا حسب حالته العصبية إلى “أدولف هتلر” أو “روبن هود”.

تغيب في ملعب العبدي الظروف الجيدة لمتابعة كرة القدم، مدرجات “شْميشة” فقدت وظيفتها رغم تجميلها، مقاعد تفرض عليك الوقوف بفعل وساختها، يخصصون نصف الملعب من أجل الضيوف، ويكدسون المحليين فوق بعضهم البعض كالحيوانات، ومن شدة الاكتظاظ تفوح من الأجسام الملتهبة روائح الإبطين والأحذية، ويزداد الأمر صعوبة عند “الكراكاج”، حينما يخنقك دخان الشماريخ الملونة والمسمومة، أما باقي الجماهير فقد حوصروا خارج الملعب رغم اقتنائهم لتذكرة العبور.

بعد هذا السيناريو العجيب، تُسكر على البشر الأبواب، ويجيء وقت الحساب، فيضرب الحصار على الكل، وسط مدرجات ضيقة، عليها سياجات حديدية، كأنك في سيرك “عمّار”، أما المراحيض فتلك قصة أخرى، إذا حصرك البول فلا تحزن على نفسك إذا فقدت السيطرة، وتسلل ماؤك القذر بين جنبات فخديك، أما إذا اشتد عليك العطش، فليس أمامك إلا الصبر، أو الرّواء من صنابير المراحيض المتعفنة، يصيبك الغثيان عند الاقتراب منها، فيأتيك القرف، لتلعن اليوم الذي فكرت أن تلج فيه مثل هذا الملعب.

 أما الخروج فهو ليس كالدخول، ينسحب رجال الأمن، فتعم الفوضى، والغلبة للأقوى، يكثر النشل، تحشد الأسلحة، وتصفى الحسابات بين “الالتراسات”، أو هي الحرب غير المعلنة.

كيف يريدون منك، أمام هذه الأوضاع اللاإنسانية واللاآدمية، أن تحبّ أو تحبّب لأطفالك هذه اللعبة؟

 بعد هذا سيكون من حقي ومن حق أي ضحية ناجية من هذه الحروب الرياضية، أن يمتنع ويمنع من يحب عن حضور الملاعب، مادام أن الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.