بقلم حسن فاتح.

لم يتأخر رد جمعيات آباء وأولياء تلاميذ مدرسة “شاركو” بإصدار بلاغات حول حقيقة الحدث الأخير الذي وقع بين أب تلميذة ومدير المؤسسة الفرنسية، على إثر اجتماع دعت إليه الإدارة مع رؤساء الجمعيات، لكن لظروف طارئة وغير منتظرة، لم يشأ لهذا الاجتماع أن يكتمل، فتحول الأمر إلى نقاش وجدال ثم خصام، لكن الصلح قد تم في الأخير على يد بعض الحاضرين، ربما كان لهذا التوثر الحاصل بين الاثنين نتيجة لتداعيات القضية المعروفة محليا ب”الخريطة المبتورة” بإحدى كراسات المؤسسة، لكن هاته القضية قد طويت وتم نسيانها.

إن حدث خريطة كتاب مادة التاريخ والجغرافيا والجيولوجيك والعلوم والإنسانية، المقرر في العديد من مدارس البعثات الفرنسية بالمغرب، قد تم علاجه في الحين، بعدما قام مسؤولو تلك المؤسسات الإدارية بعلاج الخطأ، بتعقل ورزانة، وأشعروا السلطات المغربية بذلك، فقاموا بلم تلك المقررات دون إثارة بلبلة، كما باشرت السلطات المغربية بحثها، وتوصلت بأن الأمر لا يعدو بأن يكون سوى خطأ غير مقصود، ومسألة النبش فيه قد تجر على بعض المسؤولين المغاربة بعض المحن.

نحن هنا لا ندين أحدا ولا ندافع عن أحد، لكننا نحاول أن نعالج سلوكا نراه خطأ، أصبح يجلب السخرية علينا كجديديين، من مجموع أطر ومثقفي المغرب، خاصة بعد أن تطفلت على الموضوع أياد مرتزقة، تحاول استغلاله لصالحها وزعزعة استقرار مؤسسة عريقة، تعتبر لحد الآن فضاء مهما تخرجت منه العديد من الأطر المغربية والفرنسية، كما يعود الفضل في إعادة تنظيمها وهيكلتها من جديد لمديرها السيد  “باتريس فاليتي  Patrice ValetY”،  الذي يعتبر من أشد المحبين والعاشقين لدولة المغرب،  فكيف إذن سيستهدف الإساءة لوحدته الترابية، وهو الذي يحرص دائما على الحضور في الأعياد الوطنية، والاحتفال صحبة التلاميذ والآباء بأعياد المسيرة الخضراء، حاملا العلم المغربي ومرددا الأغاني الوطنية التي يحبها المغاربة ك “العيون عيني ليا والساقية الحمرا  ليا” أو أغنية “صوت الحسن ينادي بلسانك يا صحراء”.

إن الشيء المثير للانتباه في هذا الحدث العادي والعابر، هو أن بعض المواقع الإعلامية ربطته بقضية الصحراء المغربية، وهنا نتساءل لماذا يصر البعض على ربط أي حادث كيفما صغر شأنه بالقضية الوطنية؟ ما هو سر هذا التجييش الإعلامي ضد مؤسسة فرنسية كانت إلى وقت قريب من أفضل المؤسسات على المستوى المحلي والوطني؟ هل القضية الوطنية أصبحت إلى هذا الحد مطية لتحقيق مآرب شخصية؟

إن قضية الصحراء المغربية لا يمكن أن يختزلها الإنسان في خريطة مبتورة وسط كراسة مدرسية، بل قضيتنا هي أكبر بكثير من هذه الجزئية البسيطة، فهي أقدس من حب الإنسان لأبنائه ولآبائه، ومن لا غيرة له على وطنه فليبحث عن تراب يدفن فيه، ومهما اختلفت طريقة دفاع المغربي عن حوزة الوطن، فلا يمكن أن تنزع عنه وطنيته، لأنه لا يولد بالفطرة خائنا، كما أنه من العيب والعار أن نجعل من وطنيتنا جلبابا،  نرتديه وقتما  نريد لتحقيق أغراض شخصية، ونكون انتهازيين حتى في أقدس قضايانا المصيرية.

على الآباء أن يكفوا عن شحن أبناءهم بهذا الأسلوب الخاطئ، يجب أن يعلموهم أسلوب الحوار المقنع حول قضيتنا العادلة، داخل المغرب أو خارجه، أسلوب يرتكز على الذكاء الهادئ، البعيد عن المساومات والأغراض الشخصية، عن طريق تلقينهم تاريخ مغربنا الحقيقي، والتعريف بتضحيات سلفائنا الذي استكملوا وحدتنا الترابية، من يد المستعمر الفرنسي والاسباني، وبهذا نكون قد لقحنا أبنائنا بجرعات ثقافية وتاريخية غنية، تحصنهم وتساعدهم في إقناع الآخر بأحقية المغرب في صحرائه، وليس بأي شيء آخر قد يقزم قضيتنا الوطنية.

ألا يظن هؤلاء الآباء، بأن أبنائهم عند سفرهم لاستكمال الدراسات العليا بالجامعات الفرنسية قد لا يصادفوا إشكالية الخريطة المبتورة؟ وهل سيتجرأ هذا المواطن بالاحتجاج على خريطة المغرب المبتورة بإحدى الدول الاوروبية التي يقضي فيها عطله السياحية؟ ألا يخجل هذا المواطن من نفسه وهو يورث في أبناءه أسلوبا خطأ يتعارض مع مبدأ النزاهة والديموقراطية التي تحاول المدرسة أن تربيهم عليها؟

“ليس الفتى من يقول كان أبي … ولكن الفتى من يقول ها أنذا”، وبكل فخر واعتزاز، أنجبت مدينة الجديدة الكثير من الأبناء البررة، تسلقوا في سلك العسكرية بنزاهة واستحقاق، خدموا العرش الملكي العلوي بكل تفان وإخلاص، حصلوا من خلالها على مناصب سامية، كالجنرال حسني بن سليمان، الجنرال القاديري، الجنرال الكاميلي، الجنرال الأيوبي،  الجنرال سور الله، الجنرال مقداد، وغيرهم كثير …،  وكان لهم الفضل في أكثر من مرة في استقرار البلاد، كما ساهموا في ترقية مدينتهم بالقليل أو بالكثير ولو رمزيا، لكن دون أن يتجمل على الوطن أحد من عائلاتهم أو أسرهم أو أبنائهم.

في هذا الصدد، وإحقاقا للحق، فالذين لهم الحق في القول بأنهم أسدوا خدمات للوطن في صحرائه، هم أبناء الجنود الذين توفوا على جبهات القتال ضد عصابة البوليساريو وحرموا من الأبوة، أو أولئك الأسرى الذين عانوا من العذاب الصديد لسنين طويلة في سجون الجزائر، أو تلك النساء اللواتي ترملن وهم في عز شبابهن الوردي، والأيتام الذين ولدوا ولم يجدوا قبورا لآبائهم حتى يترحموا عليها، أو الثكالى اللواتي ذهبت أبصارهن بفرط البكاء على فلذات أكباذهن المطمورة في رمال الصحراء، أو تلك الأسر التي تفككت ولم تعوضها الدولة عن هذا الحرمان ولو بسقف يأويهم، أو الأمهات المحرومات من أبنائهم المرابطين على الحدود لحمايتنا من اجتياحات العدو، غير ذلك فليس لأحد الحق في أن يجعل لنفسه او لأبيه اسما بطوليا وهميا، وعنوانا عريضا يحاول من خلاله أن ينمو ويصبح كبيرا أكثر من حجمه،  خاصة إذا جازاه الوطن بمقابل مادي أو عقاري.

كونوا أيها الجديديين عقلاء، ولا تبخسوا قضيتكم الوطنية عند مستوى خريطة مبتورة تم نسيانها، أو خصام شخصي تعددت خلفياته، وإذا اختزلتنا الصحراء في رسم خاطئ، بشكل مقصود او غير مقصود، فسنكون قد وهبنا لخصومنا فرصة نكون من خلالها عرضة للاستفزاز والابتزاز طيلة حياتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.