كثيرون هم المغاربة الذين يعتقدون بأن بلدهم رائد قاريا في الرياضة، زعيم لا يهزم، وبطل لا يقهر، وغضنفر ترتعد له وحوش إفريقيا، كل هاته الإشاعات البراقة، والملاحم المضخمة، نومت المغاربة في بحر من العسل، وجعلتهم يحلمون بحصاد الألقاب والكؤوس، بدون عمل ولا جهد ولا عطش، وأنستهم هاته الأحلام الوردية الخداعة، واقعهم الأليم والمؤلم في الحياة، تعليم معطوب، صحة مهترئة، وشغل معدوم.

هنا تذكرت متحسرا حلم كل شاب مغربي، حامل للشواهد العليا وعاطل عن العمل، لكن يمتلك مهمة رسمية في حياته كل يوم، هي الجلوس على كرسي، ليس في قبة البرلمان أو المستشارين، لكن في ركن مقهى شعبي بالحومة، فنجان قهوة بنية وسيجارة من التبغ الأسود، يلجأ إليهما كلما اشتد عليه التعب من الطواف، ظهره مقوس من شدة الانحناء خجلا، وملابس ذبلت ألوانها بأشعة الشمس الحارقة، سرواله “الجينسي” توأم رجليه، فاضح لساقيه النحيفتين، الذي يخاصم دوما حذاءه العتيق المتشقق من كثرة البحث عن العمل.

حينما يعود هذا الشاب نهاية كل يوم منهوكا إلى البيت، يضيق صدره بأسئلة الوالدين، فتسود الدنيا أمامه، ويتمنى في تلك اللحظة بأن يشتغل في أي شيء يدر عليه لقمة العيش، متسولا أو سارقا أو بائع مخدرات، حتى ولو تطلب الأمر منه  بأن ينتهي مساره بين ردهات السجون، مادام أن السجناء هم الآن أفضل منه حالا عدة مرات، أكلا وشربا وتطبيبا وترفيها.

 لكي ينسى هذا الشاب همه ونقير ذوي القربى، يترك نفسه تنجرف، مثل أقرانه، نحو أفيون الشعوب، حب كرة القدم  و النبش في أحوال لاعبي المنتخب المغربي  الميسورين، أملا في أن يغيّبه هذا الواقع المزور هنيهة عن وضعه المريض، أو يوقره ضميره  الصارم  في الليل قليلا، لعل وعسى قد يعثر على فرحة تنسيه في الهم والغم الذي يعيش فيه كل يوم.

طيلة شهر يناير أو كانون الثاني، حيث كأس افريقيا بالكاميرون 2022، في زمن “كرورونا” بامتياز،  وهي مناسبة يقتل فيها هذا  الشاب العاطل، عمره الوردي الذي لا يعلم ثمن هدره إلا بعد حين.

في كل الأزمنة والأمكنة، وأينما ولى وجهه فتم أصداء كرة القدم، إذاعات وقنوات وجرائد تهلل وتطبل، محللون على الهواء ينطقون عن الهوى، تافهون  تحولوا عبر “اليوتيب” إلى فنانين رياضيين، مسؤولون من كل طيف سياسي يطلقون عن جهل حوافز للاعبين ثمينة ومستفزة، ومتخصصون آخرون في اللعبة يجتهدون في صناعة أوهام خادعة، عبر أبواق راديو مارس العجيب، الذي يهاجم كل صغيرة وكبيرة، برامج “عزالدين” و”عادل”،  اللذان لا يراعيان من يستمع لألفاظهم الغريبة في البيوت وبين الأسر.

يطوف ذلك الشاب كل يوم متسولا ومتوسلا أصدقائه الذين تيسرت أمورهم من أجل دريهمات، ثمن فنجان قهوة وسيجارة لمتابعة مباراة الأسود والفراعنة، عيناه الذابلتين مسحتا كل صفحات الجرائد المجانية بالمقاهي، بحثا عن أخبار رياضية تشفي غليله، فعقله مشحون بحوارات محللي اللعبة، وخبراء الكرة المنفوخة بالهواء الخبيث.

 طيلة تلك الأمسية المفحومة، انطلقت صافرة البداية، فاُفرغت الشوارع، توقفت الشركات والإدارات، تعطلت العقول وصُمّت الآذان، وجحظت الأعين على الشاشات والهواتف الذكية، كما سمح المواطن في قضاء مآربه اليومية، وأجل المريض أوجاعه إلى ما بعد الشوطين، أما المتدين فقد نسي صلاته الى أن ييسر الله في النتيجة.

 في كل المقاهي والبيوت، لا تسمع إلا أصوات تصدح، وأعصاب تمرض، ودماء تحرق، نعوث وشتائم تطلق على هذا وذاك، إلى أن تم في ذلك الحين فرحة، لتعقبها صدمة بعدها نكسة، وفي النهاية انهزام “أسود الأطلس”، كما العادة، وهي أسماء فقط سموها لكم على غير مسمى.

 بعد هذا، يكون أول من يجني الخسائر هو صاحب المقهى، فناجين كسرت، كراسي قلبت، وطاولات صدعت،  لكن  شابنا  المسكين لا يملك سوى دموعه، التي قد لا يدفع عليها مقابل، فهي ملكه التي لا تحاسبه، وبدون سابق  إنذار انهمرت بغزارة، هل يشكي على  حاله الضائع؟ أم هي فرصته الوحيدة للبكاء خلسة؟ قد تنفس عنه قليلا كروبه ومعاناته.   

تكسر حلم هذا الشاب الوهمي، وهو لا يملك فيه شيئا، فهولا يدري، أو لا يريد أن يدري، بأن ذلك المدرب “العجوز” سيحصل نهاية الشهر على أجر لا يقل عن 80 مليون سنتيم، ومساعده “البوّاس” سيقرض 20 مليون سنتيم، و أشباه اللاعبين صرفت عليهم الجامعة 900 مليون سنتيم، ناهيك عن أجور الطاقم التقني والإداري والمطبخي، الذي يفوق عددهم ضعف لاعبي كرة القدم، أليست هاته الأموال الطائلة والمهدورة كافية لتوظيف جيش من العاطلين، وقادرة على رسم البسمة في وجوه شباب تجعدت من كثرة البؤس واليأس.

فحتى هاته الفرحة استخسروها في مثل هؤلاء الشباب، المحب لكرة القدم حتى النخاع، من قبل هؤلاء المتسلطون على لعبة كرة القدم، ذلك “الرئيس السوبرمان” فوزي، و”العجوز المتعجرف” وحيد، ومصطفى “المساعد البوّاس”.

سيعود للأسف ذلك الشاب المغربي فريدا مهزوما ومكسورا، على طول زقاق مظلم متحفر، يجر بتثاقل قدميه، ويردد في دواخله لازمة توجع خواطره، “ما لهذا النحس الذي يراودني حتى في فرحتي؟!”، ونسي المسكين أنه لا ناقة له ولا جمل في هذه النكسة الكروية، أوفيما ما ستغدقه تلك الكرة على أصحابها وأصحاب أصحابها، أما مستقبله ومستقبل أمثاله فسيبقى غامضا، أو قد يغوص أكثر في وحل النسيان كلما ما تقدمت به السنون.

نام الشاب بدون أن يطلب كالعادة من أمه الحنون وجبة العشاء، مخافة أن يتعرض لأسئلة سراط أبيه القاسية، حول مآل البحث عن العمل، ولج المسكين غرفته دون أن يشعل الإنارة، وألقى بنفسه على السرير كالضرير، وبطنه فارغ يكاد ينفجر من شدة وجع الأمعاء المتعصبة، وليس أمامه الآن في هذا اليوم التعيس سوى النوم على مخدته الخالية، ويستسلم لحلم ك”عبد الحليم” قد ينسيه في صدمة حبه لكرة القدم.

ولسوء الحظ، فحتى حلم هذا الشاب المسكين كان سيئا، فقد كان يُمني النفس بأن تعاد المباراة في حلمه، ويكون هو بطلها لينتقم  من الفراعنة ومن “صلاح” لأسود الأطلس، ويسجل تلك الأهداف التي تفنن في إهدارها النصيري والحدادي وبوفال، ويعانق بقوة حكيمي والمرابط وسايس وأكرد، ويبصق على وجه المدرب وحيد هاليلوزيتش، ويصفع وجه مصطفى حجي، على كل ما اقترفوه من مظالم في حق زياش والمزراوي والعربي وفضال.

   لكن شبح البحث عن الوظيفة المخيف، و”بوغطاط” البطالة،  لم يترك له خيار في أن يعيش في حلم حسب رغبته،  فما جرى له صار نكتة يرددها عامة الناس، فكان قدره أنه لقي عملا لدى ملكة النحل، يطير ويتنطط بين الأزهار والورود، ك”نحول” صديق النحلة “زينة”، يجمع الرحيق لصناعة أكل الخلية،  وحينما حاول أبيه إيقاظه فجرا من النوم، ضبطه يتعصر على الفراش، ظانا  من نفسه المسكين بأنه صانع العسل، لكنه في الأصل كان يتغوط على السرير، فما كان من أبيه إلا أن أيقظه بصفعة مدوية، فتدارك الأمر قبل أن يلطخ الفراش كله بالبراز.

قبل أن تحلموا أيها الشباب ويتكسر حلمكم، اجعلوا من واقعكم هدفا لا يفارقكم، واعلموا بأن عالم كرة القدم ما هو إلا سحر مبينا، وبال على كل الشعوب المتخلفة، وهاضم لحقوقهم المستحقة، وفرصة للمسؤولين المرتزقة من أجل شرعنة النهب والسرقة.

 يجب عليكم أيها الشباب أن تشغلوا منطق العقل قبل القلب، ولا تكونوا غُفْلا وسُذَّجا، تحت تأثير شعارات مخذرة، استيقظوا وعوا واقرأوا، وإن غابت عنكم الحقيقة ابحثوا عنها، ولو عبر محرك “عمي غوغل”، وستجدون واقع مغربكم الرياضي في سبورة الإنجازات الرياضية الافريقية؟  أو حتى العربية؟

 هنا فقط ستعرفون مستوى حجم المغرب في الرياضات الجماعية، في كرة القدم وكرة السلة وكرة اليد والكرة الطائرة، وهلم جرا…، نحن نتذيل الترتيب في كل هاته الرياضات، فلا داعي إذن للحزن على شيء لا نملك منه شيئا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.