بقلم حسن فاتح

دقت الساعة يوم الاثنين وطلع الفجر، واستيقظ جل افراد الشعب المغربي للذهاب للعمل أو للدراسة، وفي غصتهم مرارة الاقصاء من الربع النهائي لكأس إفريقيا، لكن ربة ضارة نافعة، ونفعها يجب ان يكون أكثر من مساوئها، فقط إذا استفاق المغاربة من هذا التنويم الكروي الممنهج، التي تمارسه عليهم عناصر نافذة من جهات متعددة ومتخصصة، أو ما يطلق عليهم بالتماسيح والديناصورات الناهبة لأموال الشعب بطرق مشرعنة وشيطانية.

 فما نراه الآن على الساحة الرياضية وخاصة منها الكروية، يعتبر نوع من “الاستحمار الكروي”، الممارس على الشعب المغربي الشغوف بحب الكرة القدم، وللأسف فإن أغلب هاته الشريحة الاجتماعية مكونة من الطبقة المتوسطة والفقيرة، لذا استغلت تلك الجهات المعنية حبهم الجارف الأعمى لكرة القدم، من أجل تمرير سياساتهم الاقصائية ومناهجهم اللصوصية. 

إن ما تخسره الدولة المغربية على رياضة كرة القدم، سواء على الأندية او المنتخبات أو المرافق الرياضية، تفوق بكثير مما يُستثمر في بعض “أشباه المدن” المتواجدة بمغربنا الحبيب، كما تتجاوز بكثير مما تخسره الدولة على العالم القروي، من تعليم وتطبيب وبنيات تحتية حياتية، وأكثر بكثير أيضا مما تخسره على الحالات الاجتماعية الصعبة التي تئن وتموت في صمت، فالكثير من هؤلاء البؤساء والفقراء يحتاجون لسقف يأويهم، او لعملية جراحية تعتقهم من الموت، أو تنقذ أبناءهم من الهدر المدرسي، وإلا سيدفعون بهم إلى الشارع أفواجا من أجل تسول لقمة عيش مرة.

 فما شاهدناه بالأمس إثر انهزام المنتخب المغربي بكأس افريقيا، أمام منتخب مصري متواضع، يظهر لنا جليا بأن الدولة تهدر أموالا طائلة في السراب، كما لو أنها تصب المياه في الرمال، فالأموال التي تصرفها الدول الافريقية على دورياتها الوطنية، كالكاميرون وبوركينا فاسو والسينغال، تقل بأضعاف مضاعفة مما يخسره المغرب في رياضة كرة القدم، والنتيجة هي أن هذه الدول الإفريقية تحصد البطولات وتنال المشاركات العالمية، فقط عبر استثمار عزيمة شعبها وظروفها طبيعتها،  بينما نحن نتقهقر ونتراجع الى الوراء، دون أن نعي بأن الداء الذي ضرب كرتنا هو “فيروس المال”.

إن حجم الأموال التي تهدرها الدولة المغربية في منظومة كرة القدم، تعد ضربا من ضروب الخيال مقارنة مع متوسط الدخل الفردي بالبلاد، فأجر المدرب العجوز المتعجرف “وحيد” فاقت 80 مليون سنتيم شهريا، وأجر مساعده “حجي” البوّاس 20 مليون سنتيم، أما الميزانية المصروفة على باقي أشباه اللاعبين فقد ناهزت 900 مليون سنتيم، ناهيك عن أجور باقي المكونات الفريق، من تقنيين وإداريين وطباخين ودلاكين، إضافة الى باقي الكائنات الحية التي تنتعش من هذه البحبوحة المالية.

 نطرح سؤالا على الشعب المغربي، والذي ثار صوابا في يوم ما، على الأجور الضخمة التي يتقاضاها السياسيون او أشباه السياسيين، فما رأيه الآن عن هذه الأموال التي تصرف بالملايير على كرة القدم، دون أن تستفيد منها الدولة والشعب لا ماديا ولا معنويا، بل نجد نتائجها تزيد من تأزيم حالة الإنسان المغربي النفسية، والمهزوزة أصلا بما ترتكبه “حكومة الشعب” الآن من مجازر عبر الزيادة في كلفة الحياة والتقليص من المكاسب والمستحقات.

يجب أن يعلم المغاربة أن حبهم للكرة يُحترم، لكن ليس لحد هذا الغباء، فالكثير من الشباب لهم شواهد عليا، يحلمون بأجور أقل بكثير من أجور ومنح بعض اللاعبين أو المدربين، كان من الممكن أن تحل وضعيتهم الاجتماعية، وتفتح لهم بيوتا، وتُكوّن لهم أسرا وتربي لهم أبناء، وإذا كان على الشعب المغربي أن يثور على معاشات البرلمانيين فعليه كذلك أن يثور على كافة مظاهر الفساد وأشكال هدر المال العام، هذا إذا ما اعتبرنا أن ضخامة الأموال المصروفة على مجال لا يعود بالنفع على الشعب المغربي هو نوع من أنواع الفساد،  لذا يجب محاربة هذه الظواهر، ووقف “الاستحمار الكروي” على الشعب المغربي الأبي، التي تفرضه علينا جهات معينة، ما زالت تحتفظ بعقلية المستعمر.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.