ومضة ننيوز- حسن فاتح

من أرض “استيبانيكو” وعبد الرحمن المجدوب وأبي شعيب الدكالي، بُعث في زماننا شاب “مزغاني”، عاشق للسفر ومحب للمغامرات، قرر الغوص في أدغال افريقيا، بين قبائلها وحيواناتها، لا يهاب عقباها ولا مخاطرها، قرر عبر مغامراته أن يكشف الوجه الجميل لماما افريقيا، وتغيير الصورة النمطية الراسخة بها، بعيدا عن المجاعة والأمراض والأوبئة والإرهاب.

من هو المغامر “زولاتي”؟

هذا المغامر الدكالي هو الرحالة الصغير “عثمان زولاتي”، ابن مدينة الجديدة أو مزغان قديما، من مواليد سنة 1994، تابع دراسته الثانوية بمؤسسة الرازي التقنية بمدينة الجديدة، وأكمل دراسته الجامعية بالمدرسة العليا للتكنلوجيا بالدارالبيضاء ثم بمدينة آسفي، هو مهووس بالمغامرة والتصوير والسفر على الأقدام ورياضات الاكستريم، بعد سنة واحدة من تخرجه، اختار عثمان أن يحقق حلمه الذي طالما راوده في النوم واليقظة، انطلق في رحلته وهو لا يتوفر على مصاريف اقتناء لوازم السفر واستخراج أول تأشيرة له، فاضطر للعمل في مهن عديدة لتجميع المال، كحمال في البناء، حارس للسيارات، كراء للمظلات للشمسية، فكانت انطلاقته برصيد مالي لا يتجاوز 800 درهم.

حلم يتحول إلى واقع

عاكس “زولاتي” تيار الهجرة شمالا فتوجه نحو القارة السمراء جنوبا، من أجل التعرف على شعوب وحضارات أخرى، يريد أن يكتشف الجديد ويقتسمه مع أصدقائه في العالم الافتراضي والواقعي، يريد تخطي الحدود التي لا حد لها بين الدول الافريقية، والبحث عن السعادة والحب من أهالي افريقيا، اتصلنا به عبر تقنية “الواتساب” بدولة جنوب افريقيا، فحكى لموقع “ومضة نيوز” تفاصيل مثيرة عن مغامراته الشهيرة، لم يترك الشاب عثمان حلمه يمر مر السحاب بل قرر أن يحوله الى واقع، رغم وجود اعتراضات على ذلك، من عائلته وأصدقائه، فهناك من أخافه بالمجاعة، أو بالمرض والموت، أو بالاختطاف حتى، بل هناك من قال له أنه سيكون وجبة لذيذة لآكلي لحوم البشر، لكن إيمانه القلبي بالمشروع جعله يتمسك به ولا يستسلم، للبحث عن حياة جديدة أو حقيقة ضائعة بين تضاريس افريقيا، إنه الفضول والرغبة في الاكتشاف والتأمل والتفكير.

رحلة من لا شيء

انطلقت رحلته العجيبة والغريبة في شهر يناير 2015، عبر من خلالها 19 دولة، منها موريطانيا، السينغال، مالي، ساحل العاج، غانا، الطوغو، بنين، اثيوبيا، دجيبوتي، الصومال، موزمبيق، كينيا، المالاوي، غامبيا، اوغندا، رواندا، طانزانيا، زانجيبار، زامبيا، ناميبيا، بوتسوانا، زيمبابوي ثم جنوب افريقيا، قطع جزء منها حتى ساحل العاج مشيا على الأقدام، وجزء ثاني الى حدود الموزمبيق على الدراجة الهوائية، والشطر الثالث حتى “كيب تاون” بجنوب افريقيا عبر التزلج.

انطلق هذا الشاب من لا شيء، ولم يكن يمتلك من الزاد إلا القليل، وإذا نفذ منه الأكل يبحث عن وسائل للتزود به، فالخيمة على ظهره يحطها أينما حل وارتحل، حيث يلقى الأبواب والقلوب مفتوحة والكرم الافريقي، لكن يبقى مصدر عيشه الأساسي هي آلة التصوير، فهي عينه التي ترصد الجمال في افريقيا، وأحيانا يتحول “زولاتي” الى تقني في البرمجيات أومصمم للمواقع الالكترونية، وعند الشدة يمتهن حرف صغرى شريفة كصياد بحري أو عامل في الفحم، أو مساعد في الشاحنة، أو تاجر للأحذية، كما قام أيضا بدور مرشد سياحي.

صعوبات بمذاق افريقي

صادف عثمان صعوبات كثيرة، كان الخوف فيها أكثر من الأذى، فمرة صادف عبر الطريق الصحراوية بين كينيا واثيوبيا، قبيلتان مسلحتان ويتصارعان على بحيرة ماء، وللمرور إلى الضفة الأخرى اضطر عثمان للتوقف عند كل واحدة منهما، لمحاورتهم ومجاراتهم فيما هم يقدمون عليه، فكانت فكرة تقاسم الماء معهم مفتاح عبور الحدود، مرة أخرى، وبينما هو يبحث عن قبائل افريقية ناذرة، تاه في صحراء قاحلة لمدة خمسة أيام، في ظروف جد عصيبة، دخل بسببها في هلوسات الجفاف والسراب، ولم يجد أمامه سوى ضايات الماء الساخن جدا لكي ينقذ حياته، واستمرت معاناته مع الطريق طويلا حتى بعثت له الأقدار الإلهية شاحنة لتوزيع المياه، حينذاك رجع الأمل.

أما عند حدود دولة مالي، فقد تم حصاره مع مجموعة من المهاجرين الماليين، بحثا عن عناصر خطيرة من الجماعات الإرهابية، لتمر عليه ساعات قاسية، اجتازها بدون نتائج وخيمة، ومرة أخرى قضى بساحل العاج ليلة كاملة مع مجرمين في مخفر الشرطة من أجل التحقيق في هويته، بسبب عدم حمله لجواز السفر، لكن تبقى أصعب مرحلة في هذه المغامرة هو حينما أصيب عثمان بمرض الملاريا أو فيروس حمى المستنقعات بساحل العاج، حيث لزم الفراش لمدة 10 أيام، تحمل فيها المسكين الكثير من المعاناة والأوجاع والحمى المؤلمة، وقد تم علاجه من طرف أحد المغاربة المقيمين بإفريقيا، كما تلقى مساعدة الكثير من أهالي المنطقة.

طرائف وغرائب زولاتي مع الأفارقة

من بين الطرائف العجيبة التي وقعت هو حينما منعه حراس حدود دولة الموزمبيق من العبور بحجة تجاوزه للمدة القانونية بيوم واحد، وإلا تأدية غرامة بـقيمة 1000 درهم، لكن ذكاء وفهلوة الداهية عثمان كانت عاملا في التفاوض معه حينما اقترح عليهم لعب شوط من “لعبة ضاما”، وإن فاز عليهم يسمحون له بالعبور، فكانت فكرته الجهنمية سببا في الفرج.

وجد عثمان مرة ثانية نفسه وسط أماكن ترعب النفس بدون أن يقصدها، وكانت هذه المغامرة حينما ولج قرية السحرة بدولة البنين وهم أساتذة “السحر الأسود” بإفريقيا، وفي حديث للمغامر زولاتي مع موقع “ومضة نيوز” على لسان ساكنة المنطقة، قال أنهم يخضعون لأوامر السحرة ولا يمكن تجاوزها أحيانا وإلا سوف تنزل عليهم اللعنة، إنه عالم غريب ومليء بالعجائب، أما قصة زولاتي ولقاؤه بالأب “جاه”، فتعد من جواهر مغامراته الافريقية، هذا الأب الذي ينحدر من جامايكا، واستقر بافريقيا استجابة لنداء الامبراطور الاثيوبي “هايسيلاسي” لمريدي الحركة أو الديانة “الراستافارية” بضرورة رجوع السود إلى القارة الأم، فنزح الأب جاه إلى دولة البنين، وأنشأ مدرسة للأيتام من أجل التربية والتعلم.

دروس ماما افريقيا

صادف زولاتي في طريقه قبائل بدائية تعيش وفق نمط عيش يناسبها حسب تعبير زولاتي، كشعب “الماساي” الكيني وقبائل “الهامر” الأثيوبية، فتعلم منهم كيف يعتمدون على أنفسهم من أجل لقمة العيش، فتجد الأب يصطاد، الأم تطبخ، البنات يجلبون الماء والأولاد يصنعون الفحم، والشيوخ يبيعون منتجات تدر دخلا على العائلة، الكل يشتغل ولا ينتظر شيئا من الحكومة أو الدولة، وفي الليل يتجمعون حول النار لقضاء لحظات مرحة، إنها السعادة الحقيقية، ويحكي لنا “زولاتي” أن كثيرا من الأفارقة مازالوا يحتفظون بالفطرة الإنسانية المبنية على الحب والتسامح والتعايش، رغم الاختلاف في الأديان والإيمان، فبمجرد سماع آذان صلاة المسلمين مثلا يعمد الطرف الآخر للتخلي على موسيقاه وصخبه احتراما لمن يتعبد للإله الواحد الموحد بين الأديان.

عثمان من رحالة الى مدرس

من بين الأشياء الجميلة التي مارسها الرحالة الشاب “عثمان” مع الشعب الأفريقي في رحلته هو زيارته للمدارس بالقرى الأفريقية، حيث قدم دروسا حول القارة السمراء، بعيدا عن الكتب الرسمية، وتقاسم معهم معلومات عن إفريقيا لا يعرفونها، كما حدثهم أيضا عن تاريخ إفريقيا الحقيقي البعيد عن المجاعات والحروب والإرهاب، ويبرهن لنا “زولاتي” إذن عبر هذه التجربة بأن لغة التواصل الأصلية بين الشعوب والقبائل الأفريقية لم تكن سوى لغة الحب والاحترام والفرح، وما عدا تلك اللغة فإنها دخيلة عليهم على يد المعمر الأوروبي، النخاس الذي حول زنجيبار وبنين والسينغال إلى أكبر موانئ تصدير العبيد في ذاك الوقت.

زولاتي محط اهتمام الصحافة العالمية

بعد هذه المغامرات التي لا يقدر عليها سوى صاحبها، أصبح “عثمان زولاتي” محط اهتمام العديد من المتتبعين في العالم الأزرق الافتراضي، حيث أكد لنا بأن عدد متتبعيه وصل الى 52 ألف بصفتحه الالكترونية، فمن خلالها يقوم بنشر أخبار عن مغامراته وأفلام قصيرة عن رحلاته، كما كان محط اهتمام العديد من اللقاءات الصحافية العالمية، وحوارات مع القنوات الأفريقية.

زولاتي ولقاؤه بشخصيات وسط إفريقيا

لم يكن لزولاتي أن يمر بإفريقيا دون أن يلتقي بشخصيات سياسية وأطر مغربية ناجحة في مهامها هناك، منهم سفراء وقناصل، مدراء ورؤساء لشركات إفريقية أو مغربية، فكان له لقاء مع وزير السياحة البينيني، سفراء المغرب بطانزانيا وكينيا، وقناصلة دول غانا واثيوبيا وساحل العاج، كما تقاطعت رحلته مع العديد من الرحالة والمغامرين الأجانب، فكانت فرصة لتبادل التجارب والنصائح، أما عن المغاربة المقيمين بإفريقيا فكانوا بالنسبة لعثمان جرعات أوكسجين أعطته مجهودا أكثر للاستمرار في المغامرة الافريقية.

زولاتي والأقمصة الرياضية

من تقنيات تواصل “زولاتي” العجيبة هو ارتداؤه لقمصان منتخبات الدول الأفريقية التي يمر منها، ومع تسريحة “الراسطا” على شعره تزيده قبولا أكثر عند الأفارقة، كما أن سرعة تكيفه مع عادات وسلوك الأهالي يخلف انطباعا لديهم بأنه واحد منهم، فيقيم بين أسرهم ويتناول أكلهم ويمارس عاداتهم، أما قصته مع قميص الرجاء البيضاوي، فقد صادف مرة وهو يتجول في أزقة ساحل العاج إفريقي يرتدي قميص الرجاء البيضاوي الأخضر، وكأن عثمان رأى وميضا لاح من العتمة، فهرول مسرعا قبل أن يختفي في الزحام، وعند السؤال اخبره “الإيفواري” بأنه يعشق الرجاء وهو أخ اللاعب المحترف بالفريق البيضاوي “كوكو غيهي”.

اشتياق وحنين للديار

اشتاق عثمان لعائلته وأصدقائه، ولكن ليس لدرجة الجنون، فهذا الشاب يعرف جيدا كيف يفصل بين العواطف والطموح، حتى أن تصريحاته لا تنم عن الاشتياق القوي لعائلته، وأكد في هذا الصدد لموقع “ومضة نيوز” تأتي أوقات أحن فيها للعائلة والأصدقاء، وأحن الى “راس الدرب” و”خبز الدار” و” شاي أمي” … وأتمنى أن أنشطر إلى نصفين نصف بجانب أمي أتذوق طبيخها … ونصف آخر أتجول كالنحلة بين أركان العالم”قام عثمان بتجميع وتدوين كل الأشياء الجميلة في ذاكرته أو ذاكرة حاسوبه، ثم حول هذه المادة الدسمة إلى فيلم “أنا وإفريقيا”، سيصدر يوم 5 غشت 2021، ترقبوا هذا الفيلم الغني بالدروس والتجارب والحكم الأصيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.